×

رمضان أمي : ذاكرة المدن البعيدة

رمضان أمي : ذاكرة المدن البعيدة

محبوبــــة‭ ‬خليفــــة

في بلادِ الله كانت لي مطارحُ أُنسٍ وجِدٍّ واجتهاد، وأيضًا انشغال الكثير من الانشغال بنفسي وبمن حولي.

تنقّلتُ بين بلادِ الله سنينَ طويلة، وبطبيعة الحال عشتُ في بلادٍ كثيرة فصول السنةِ كلَّها؛ عشتُ صيفَها اللطيف، وصيفَها القاسي بهجيرِه الذي لا يُطاق.

وعشتُ الخريف، وراقبتُ سقوطَ الأوراق، وكنتُ أميّز ألوانها، وموقعَ الشجرة، وفي أيِّ بلادٍ توجد.

أمّا الربيع فكان سيّدَ الفصول وألطفَها؛ فصلٌ ملوَّن بشتى المباهج، بوروده وزهوره، وسمائه الصافية أغلبَ الوقت.

لكنّ الشتاء مختلفُ ألوانه؛

فشتاءُ الصقيعِ الصحراوي ينخرُ العظم، ولا تُجدي معه وسائلُ التدفئة البسيطة.

وعشتُ شتاءً في بلادٍ تعرفه وتتهيّأ له، وشتاءً تَبتَأَسُ لأهله لقلّة الزاد ووحشة الطريق.

هكذا عشتُ كلَّ الفصول،

وعشتُ أيضًا المواسمَ الدينية

في بلادِ الناس التي سكنتُ فيها،

ما بين مواسمِ بهجةٍ وتسوقٍ وفرحٍ ومرح، وما بين مواسمَ روحانيةٍ يستعدّ لها الناسُ بحبٍّ وخشوع.

عشتُ رمضاناتٍ جميلة ما بين

روما، والرباط، والقاهرة،وبغداد، وتونس.

رمضان بعضُ المدن  لا أحسبه، ولم أحسّ به، لصعوبة هذا الطقس وهذه العبادة خارج باب بيتي هناك .

أدهشتني احتفالاتُ المغاربة

بأولادهم الذين يمارسون هذه العبادة للمرّة الأولى؛

فيرتدون ملابسهم التقليدية،

وتجري هذه الاحتفالات غالبًا في المساجد بحضور الأسر السعيدة والفخورة.

أمّا رمضانُ القاهرة ففيه تاريخُ المدينة في هذا الشهر ،الممتدّ من عهد الدولة الفاطمية وما

قبلها، وحتّى تاريخنا المعاصر؛

ففي ذلك العصر ظهرت الفوانيس، وحلوياتُ رمضان الأشهر ؛ الكنافة والقطايف،

وأيضًا مواكبُ الخليفة( جوهر الصقلي ) لإعلان رؤية الهلال.وفيه تشتهر مساجدُ القاهرة العريقة بقراءة القرآن في لياليه.

رمضانُ مصر خليطٌ من العبادة والتقوى، والخيام الرمضانية،

وما تحويه من مباهجَ مُلفتة.

رمضانُ بغداد عاصرته،

وكان الوقت صيفًا والجوّ قاتلًا؛

فالحرُّ لا يرحم،ولي فيه طرائفُ كثيرة ذكرتُ بعضَها

في روايتي السِّيرية الذاتية (كنّا وكانوا)*.

أمّا رمضانُ أمي، فهو ما يُربّتُ عليّ عندما ألتفتُ حولي باحثةً عن ذاكرة لا أريدها أن تخبو

ولا أن تبهتَ ألوانُها.

رمضانُ الصباحات الممطرة،

والذهابُ صحبةَ صديقاتي إلى المدرسة، وكُنّا نختبر الصيام للمرّة الأولى، ونشكو لبعضنا الجوعَ والانتظار ، حتّى يأذن لنا شيخُ الجامع وصوتُ الناعورة*.

رمضانُ أمي هو ما يُدثّر روحي

ويوقدُ ذاكرتي إن فترَ ضوؤها.

وأمي تتداخل صورتُها مع صورةِ مدينتي*، فلا أميّز هذه من تلك؛

فأمي ترقد هناك،تحت ما تبقّى من ثراها.

وأنا أحمل ذاكرةَ أمي وذاكرةَ مدينتي،وأحيا بهما.

رمضانكم مبارك

وكلُّ عامٍ وأنتم بخير

‭ ‬الناعورة‭: ‬كانت‭ ‬تتولّى‭ ‬تذكيرَ‭ ‬الدراونة‭ ‬بموعد‭ ‬الإفطار،‭ ‬وصوتُها‭ ‬يشبه‭ ‬صفّارات‭ ‬الإنذار‭ ‬أثناء‭ ‬الغارات‭. ‬لا‭ ‬أعرف،‭ ‬ربما‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬عملَها‭ ‬الأصلي‭ ‬واستُخدمت‭ ‬لغرضٍ‭ ‬آخر‭ ‬كالتنبيه‭ ‬لموعد‭ ‬الإفطار‭. ‬

‭*(‬كنَّا‭  ‬وكانوا‭) : ‬رواية‭ ‬للكاتبة‭ ‬صدرت‭ ‬عن‭ ‬دار‭ ‬الرواد‭ ‬2020

‭*‬مدينتي‭ : ‬درنة

Share this content: