د.الصديق بودوارة :لم يجر تهميش أحد، كلهم تراجعوا خطوة إلى الخلف .
الضجيج لا يصنع الحقيقة
الأمسيات الشعرية لن ترسم مشهداً مهما كانت بلاغة القصائد.

ليس من السهل إجراء حوار مع الدكتور الصديق أبريك سليمان بودوارة؛ فالرجل لا يمثل مجرد اسم في المشهد الثقافي الليبي، بل ينتمي إلى جيل من المثقفين الذين لم يكتفوا بإنتاج النصوص، بل سعوا إلى بناء المؤسسات التي تمنح الثقافة فرصة للبقاء. وبين الكاتب والصحفي والأكاديمي والناقد ورئيس التحرير، تتشكل تجربة امتدت لأكثر من أربعة عقود، عاصرت تحولات الدولة الليبية، وتقلبات المجتمع، وتبدلات المشهد الأدبي والإعلامي، من زمن الصحافة الورقية إلى زمن المنصات الرقمية.
في زمن تتراجع فيه القراءة أمام سرعة المحتوى، وتكافح فيه المجلات الثقافية من أجل البقاء، استطاع بودوارة أن يجعل من مجلة «الليبي» واحدة من أهم المشاريع الثقافية العربية التي حافظت على انتظامها وجودة محتواها، واضعة الثقافة الليبية في حوار دائم مع محيطها العربي والإنساني.
لكن هذا الحوار لا يتوقف عند السيرة الشخصية، ولا يكتفي باستعراض المنجزات؛ بل يحاول الاقتراب من الأسئلة الأكثر إلحاحًا: لماذا تراجع تأثير المثقف الليبي؟ وهل أخفقت النخب الثقافية في إنتاج مشروع وطني جامع؟ وهل ما زالت الثقافة قادرة على ترميم مجتمع أنهكته الانقسامات والحروب؟ وما مستقبل الكتاب الورقي في عصر الذكاء الاصطناعي؟
في هذا الحوار، يتحدث الدكتور الصديق بودوارة عن مسيرته، وعن خيبات الثقافة وآمالها، وعن علاقة الكاتب بالسلطة، ودور المؤسسات الثقافية، ومستقبل الأدب الليبي، في محاولة لقراءة المشهد من الداخل، بعين من عاشه وأسهم في صنع جزء من تاريخه.
أجرت الحوار :عزيزة حسين .
بعد أكثر من أربعة عقود في الكتابة والعمل الأكاديمي والصحافة وإدارة المؤسسات الثقافية، عندما تنظر إلى هذه الرحلة، هل تشعر أنك أنجزت المشروع الذي حلمت به، أم أن المشروع الحقيقي لم يكتمل بعد؟
بكل صدق، لا شيء، اقولها بحسرة وقد مضى العمر، بالتحديد، الجزء الصالح منه لإبداع الجديد، ماتبقى من العمر لايصلح إلا لطاولة في مقهى رخيص، واجترار الذكريات مع العابرين.
المشروع الذي طالما حلمت به لم يُنجز، كان يحتاج إلى عوامل، إلى فرصة، أو إلى دولة، أو إلى ظرف اجتماعي يمهد الطريق، أو الى حدث يمسك بيدك ويقودك.
دخلت في مشاريع، بدل المشروع، وهذا كان بمثابة تفتيت لحلم المشروع، وكل مشروع استنزف مني قدرات وطاقة وحيوية، ولم يكتمل، المشاريع التي لاتكتمل تترك ندوباً في ذاكرتك، وحسرة لا تموت.
بدايةً بمدير برامج لإذاعة الجبل الأخضر المحلية، ثم مدير تحرير لصحيفة قورينا اليومية، ثم رئيس تحرير لمجلة الليبي، وأخيراً رئيس تحرير لمجلة آفاق العلوم والتقانة الصادرة عن الهيئة الليبية للبحث العلمي.
كلها، تعاملت معها بكونها مشاريع وليست مجرد وظائف. انتميت إليها وودت لو أن يتوقف لكي لا تنتهي.
سأعود إلى حديثك بخصوص اكتمال المشاريع، سأخبرك بشيء، في بلدي، الإرادة، الموهبة، الحلم، كلها كائنات نزيلة في دار أيتام، لا ازدهار لها بدون ماذكرت سابقاً من عوامل نجاح .
حلمت فعلاً بكتب كثيرة، لم أحلم بعددها، حلمت بمحتواها، وحلمت بانتشار كبير، لم أحلم بجغرافيته، بل حلمت بقراءه ومتابعيه.
حلمت بجوائز وندوات أجوب بها العالم، وها أنا بعد الستين أحلم فقط بنزول المرتب في موعده كي لا يجوع العيال.

درست الاقتصاد الزراعي، لكنك كرست حياتك للأدب والثقافة. هل كان انتقالك من العلوم إلى الكتابة قرارًا واعيًا، أم أن الأدب هو الذي اختارك؟ وكيف انعكس تكوينك الأكاديمي على أسلوبك في التفكير والكتابة؟
لم انتقل من العلوم إلى الكتابة، الكتابة سابقة لكل شيء عندي، منذ الصغر كنت أرسم، والرسم كتابة، لكنها بالخطوط، كنت ارسم بمهارة، ولو طورت هذه الموهبة لقدمت فيها الكثير، لكني انتقلت إلى الرسم بالكلمات على رأي «نزار».
في المرحلة الجامعية كنت ضحية لفكرة سائدة آنذاك ( لا أدري هل مازالت كذلك ) الفكرة تقول إن التخصص العلمي أفضل بكثير من الأدبي، هكذا أجبرت على الثانوي العلمي، ثم دخلت الهندسة، جامعة قاريونس آنذاك ،الهندسة تحتاج عقلاً مرتباً، عقل مجتهد، مثابر، عقل يصحو باكراً، وينام باكراً، عقل لا يعرف «عمر الخيام»، ولم يسمع بعد برباعياته الرائعات.
لهذا لم أوفق في الهندسة، اضعت فيها ثلاث سنوات عجاف، ثم أمضيت سنة بدون دراسة، ثم وجدت نفسي بقرار عائلي طالباً في سنة أولى زراعة بجامعة عمر المختار. وهكذا تحصلت على الشهادة الجامعية في مجال الاقتصاد والإرشاد الزراعي.
بعد ذلك، ورغم أني أصبحت مهندس مختبر في شركة المطاحن الوطنية، ثم مساعد باحث بكلية الزراعة، ثم مديراً إدارياً لها، شدني الحنين إلى الجانب الأدبي الأكاديمي الذي حُرمت منه. درست بنظام الانتساب في كلية الآداب، وتخرجت منها ثم تحصلت على الماجستير ثم الدكتوراه في التاريخ القديم.
وهكذا.. حائط غرفتي الذي كان يحتاج إلى شهادة، تحصل على أربع. وهكذا كان.
بالنسبة للشق الثاني من سؤالك، أثناء كل هذا المشوار كنت أكتب، وأتجرأ على كتابة الشعر الشعبي أيضاً، لم يتوقف شيء في ذلك الكائن الذي كنته ذات يوم.
أجيبك الآن على الشق الثالث من سؤالك، وأشكرك عليه نعم، كان للجانب الأكاديمي فضل لا أنكره، وسأخبرك كيف.
الدراسة الأكاديمية وبالتحديد العليا تلزمك بالمراجع، بالهوامش ذات المصداقية، والبحث العلمي لا يستقيم معك مالم تكن أفكارك مرتبة ومصادرك موثوقة.
هناك شيء آخر، الهدوء، لن تنجز بحثاً وأنت متوتر، ولن تناقش فكرة ما وأنت منفعل.
هناك أمر في منتهى الأهمية، الجدوى، وشعور الإنجاز، وتقدير القيمة الحقيقية لعملك، فما تنجزه هو سبيكة ذهب، ما من رجل أعمال أو ثري في الدنيا تضاهي ثروته سبيكة ذهبك التي أنجزتها لتوك بعد معاناة شهور طويلة، وإذا كان هو رجل أعمال، فأنت باحث، وإذا كان جيبه متخماً بالمال فرأسك متخم بالمعرفة.
درس آخر تعلمته، لا تاريخ بلا نص، ولا تاريخ بدون شاهد أثري، التخمينات لا تصنع تاريخاً، والادعاء لا يصمد أمام حقيقة الشواهد.
الضجيج لا يصنع الحقيقة، قد يعلو صوته، قد ينتشر، قد تدعمه الأكاذيب فيصبح أطول عمراً، لكنه يبقى مجرد ضجيج في نهاية المطاف.
كل هذه ثروة من القيم منحتها لي الدراسة الأكاديمية، أعطتني روحاً غنية بالمعرفة، وأنعمت علي بالتريث وبالتمعن ودراسة الأسباب، وجعلت من رواياتي مجالاً للغوص في طبيعة النفس البشرية وفي كنه العوالم التي تبدو خفية وهي جوهر كل شيء.
أسست وأدرت مجلة «الليبي» التي أصبحت واحدة من أهم المجلات الثقافية العربية. ما الفكرة التي انطلقت منها المجلة؟ وهل حققت الرسالة التي حملتها منذ العدد الأول؟
للأمانة، لست أنا من أسس الليبي، هذه المجلة صنيعة مؤسسة الخدمات الإعلامية التابعة لمجلس النواب الليبي، وعندما قررت المؤسسة برئاسة مديرها العام المخرج المعروف الأستاذ «خالد الشيخي» أن تكون لها مجلة ثقافية اسمها «الليبي» اتصل بي في منتصف شهر ديسمبر 2019 وأخبرني أنه يراني مؤهلاً لرئاسة تحريرها. وأنه يريد العدد الأول على مكتبه في 1.1. 2019. وهكذا كان. ومنذ ذلك التاريخ الى الآن لم تتوقف الليبي ولا مرة. وها نحن على مشارف السنة التاسعة من عمرها الذي أرجو أن يكون مديداً.
الفكرة من وراء الليبي؟ أن نخبر العالم أن ليبيا ليست ساحة للقتل والفوضى، هناك بشر مبدعون هنا، هناك مفكرون وروائيون ورسامون ومبدعون في كل المجالات.هناك بشر يستحقون التقدير لأنهم مبدعون.
نريد أيضاً أن نمد جسراً من التواصل بين المبدع هنا والمبدع هناك، في أرجاء الوطن العربي الكبير، ننشر لهم وينشرون لنا، نقرأهم ويقرأوننا.
نريد أن يسجل تاريخنا ليبيا الحديث أنه في الفترة من 1, 1, 2019 والى ماشاء الله، كانت هناك مجلة ثقافية ذائعة الصيت رائعة الإخراج، مبهرة الحضور، جميلة، فاتنة، اسمها الليبي.

في رأيك، هل أخفقت الدولة الليبية في بناء سياسة ثقافية واضحة، أم أن النخب الثقافية نفسها لم تستطع إنتاج مشروع وطني جامع يتجاوز الانقسامات؟
سؤال مركب، وينطوي على كم هائل من علامات الاستفهام. ولنبدأ في ترتيب أولوياته الآن.
أولاً: الدولة في التاريخ الليبي الحديث ليست مؤسسة راسخة بالقدر الذي يسمح لها بإطلاق مشروع ضخم كبناء سياسة ثقافية متكاملة.
لا أريد أن أقحم هذا الحوار في متاهة تاريخ مشحون، سأكتفي فقط بالقول إن الدولة في ليبيا شهدت انتعاشة في بداية مرحلة تأسيسها مع الإدارة الإنجليزية التي أفرزت أسساً وقواعد لإدارة لو لم نفرط في مهنيتها وصرامتها لتغير واقعنا اليوم ألف درجة على ماهو عليه. لكن مشروع بناء دولة مدنية مؤهلة أصيب بانتكاسة لم يستفق من تداعيات زلزالها إلى الآن.
أن تبني سياسة ثقافية متكاملة فأنت تحتاج إلى منهج متكامل وثوابت راسخة وواقع يتم تشييده على مهل، ولكن بثقة واقتناع. شبه الدولة لن تقدم لك سوى شبه ثقافة.
سألتيني عن النخب، إنها تستطيع القيادة لكنها لا تستطيع الخلق، لا يمكن للنخب أن تصنع سياسة ثقافية، الدولة يمكنها ذلك.
دعك من الشعارات. المثقف لن يمنع الانقسام، ثمة نخب مختلفة بإمكانها ذلك. رسم المشهد يحتاج إلى قوى فاعلة على الأرض، الأمسيات الشعرية لن ترسم مشهداً مهما كانت بلاغة القصائد.
يقال إن المثقف الليبي تراجع حضوره في المجال العام، بينما يرى آخرون أنه جرى تهميشه. كيف تقرأ أنت علاقة المثقف الليبي بالمجتمع اليوم؟ وهل ما زال قادرًا على التأثير؟
لم يجر تهميش أحد، كلهم تراجعوا خطوة إلى الخلف. ولكل أسبابه، والمجال العام الذي تتحدثين عنه ليس سوى مجال كسيح، مجال مهموم، مجال يحلم بألف فكرة لكنها أفكار مشتتة، مجال كهذا لا يمكن أن ينتج مثقفاً لا يتراجع.
المثقف لم يهبط إلى مجتمعه من المريخ، إنه نتاج بيئته، فمادام المجتمع يشهد تراجعاً في كل مجالاته، فمن الطبيعي أن يتراجع المثقف وتضعف قدرته على التأثير.
بعد عام 2011 توسعت مساحة حرية التعبير، لكنها ترافقت مع تصاعد خطاب الكراهية والاستقطاب. هل نجح الإعلام والثقافة في حماية المجتمع من الانقسام، أم أنهما كانا جزءًا منه؟
لا أعتقد، مساحة التعبير لم تتسع، في الماضي كان ثمة خط أحمر واحد، الآن تعددت الخطوط الحمر، ثمة تيارات فكرية وقوى اجتماعية ومؤسسات غير واضحة المعالم، وكلها تعتمد صيغة خطاب متوترة، صدامية، تنزلق إلى العنف لأهون سبب.
بكل واقعية، جزء كبير من الاعلام انساق وراء ما يحدث، ولكن وللمصداقية هناك مؤسسات إعلامية كانت مثابرة في تمسكها بمفاهيم الهوية المضادة للانقسام، ومازالت تقاوم التشتت حتي الآن. لكن الكل في مأزق، الإعلام بكل فروعه تحت تأثير مشهد محتقن. وهذا يجعل منه إعلاماً عاجزاً عن حماية نفسه مابالك بحماية المجتمع.
بصفتك رئيس تحرير، مرّت بين يديك مئات النصوص. ما الأخطاء الأكثر شيوعًا لدى الكتّاب الشباب؟ وما الذي يجعلك تؤمن بأن نصًا ما يستحق النشر ويستحق صاحبه أن يُراهن عليه؟
لا يوجد كاتب شاب، هناك كاتب مؤهل، وكاتب غير مؤهل. الموهبة مثلها مثل البذرة، تنمو على مهل، ساكنة في تربتها لكنها راسخة.
من المقالة الأولى تستطيع أن تحكم على وجود الموهبة من عدمها عند الكاتب، ولكن تظل ما اسميته أنت بالأخطاء، في الواقع حكم قاس أن نسميها أخطاء، ولن أناقش معك التسمية لكني سأخبرك أن آفة أي كاتب في بداياته هي قلة القراءة، الكاتب الذي لا يقرأ لغيره يحرم نفسه من مخزون كبير سيحتاج إليه مستقبلاً.
هناك أيضاً التحيز المسبق، انه كارثة تجعل من نصوصه مجرد فرمانات متشابهة، وتجعل لها رائحة أشبه برائحة قط ميت.
النص الذي يجعلك تراهن عليه هو النص الذي.. يحمل رؤية، ويجيب على أسئلة مهمة، لماذا كُتب؟ وماهي قضيته؟ النص الذي لاقضية له هو نص باهت لن يطول له عمر.
الأدب الليبي ما يزال أقل حضورًا عربيًا من أدب دول الجوار. برأيك، أين تكمن المشكلة تحديدًا؟ في النص؟ أم في غياب مؤسسات الترجمة والنقد والنشر والتسويق الثقافي؟
نعم. علينا أن نعترف بذلك. هذا نتاج مرحلة سابقة، أيام كان الأدب محتاجاً وبشدة إلى رعاية الدول. الآن تغيرت الظروف وعلينا أن نتوقف عن البكاء على الأطلال.
في الماضي كان الحضور شبه مستحيل إذا غابت دولتك، إذا تخلت عنك مؤسسات مثل وزارة الإعلام أو وزارة الثقافة تجد نفسك منزوياً لايحفل بك العالم، اذا لم يتم إيفادك ضمن وفد لحضور معرض كتاب مثلاً أو ترشيحك لطباعة كتاب فأنت حبيس كهف.
إذا لم تقم مؤسسسة حكومية بترجمة أعمالك فلن يقرأ العالم خارج الكهف ما تكتب.
كل هذا أصبح مضحكاً الآن، والمضحك أكثر هو وجود من مازال يؤمن به.
التقنية الآن رمت بوزارات الثقافة والاعلام في الفراغ، وبالترشيحات والحضور المبرمج للمعارض.
التقنية الآن أعلنت موت الترجمة برعاية الدولة، الآن أصبح جوجل مستعداً لترجمة كل أعمالك، وأصبحت طباعة كتبك ونشرها قرار تتخذه أنت، بإمكانك أن تجعل العالم يقرأ كتبك بصيغة pdf بدون الحاجة الى توقيع مسؤول.
هل تعرفين الى ماذا نحتاج الآن؟ نحتاج إلى الكف عن استجداء الدولة لتهتم بنا ثقافياً، التقنية الآن هي دولتنا.
عاصرت أجيالًا متعاقبة من الأدباء الليبيين. هل ترى أن هناك قطيعة بين جيل الرواد والجيل الجديد، أم أن الاختلاف طبيعي تفرضه تحولات الزمن وأدوات التعبير؟
لا اعتقد أن هناك قطيعة، فمازلنا نقرأ لهم، وفي الواقع لم يعد هناك جيلين فقط، رواد، ونحن. هناك مسافة أصبحت تفصل بيننا وبين ماتسميه جيل الرواد.
كان شرفهم الأكبر أنهم البدايات، تحملوا مشاق الخلق، ومضوا بنصوصهم إلى حيث أسسوا مناخ كتابة استفاد منه من جاء بعدهم. لهذا اعتبر كل نتاج لأحد الرواد مشروع تأسيس، ولا أحاكم فيه الأسلوب ولا الجودة. يكفيه أنه نتاج مؤسس وهذا بحد ذاته جدير بالاحترام.
العلاقة بين المثقف والسلطة ظلت واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في العالم العربي. كيف تقرأ هذه العلاقة في ليبيا؟ وهل يستطيع المثقف أن يحتفظ باستقلاله دون أن يتحول إلى خصم دائم للسلطة أو تابع لها؟
قبل أن أجتاز هذا السؤال سأقول لك: على مر التاريخ، المثقف الحقيقي هو المثقف الذي لا يحتفظ بعلاقة جيدة مع السلطة. على مر التاريخ، العلاقة بين المثقف والسلطة كانت دائماً متوترة، حتى أن الوضع بينهما يصنف غير طبيعي إذا حدث العكس.
أقول هذا واستغفر الله لي ولكم.

لو طلبت منك أن تقيّم المشهد الثقافي الليبي اليوم بقدر كبير من الصراحة، فما أبرز إخفاقاته؟ وهل يتحمل المثقفون أنفسهم جزءًا من مسؤولية هذا الواقع؟
إنه مشهد مشحون، ثمة الكثير من الأقلام الجيدة، ثمة الكثير أيضاً من الأدعياء، لكن القارئ الجيد يستطيع دائماً تمييز هذا عن ذاك.
أن له إيجابيات عديدة، فقد استطاع التواصل بشكل جيد مع الآخرين، ومازال يحقق بعض النجاحات في إثبات حضوره عربياً من خلال المشاركات المثابرة واعتقد أن أغلب هذه النجاحات تمت بمعزل عن الدولة وبجهود شخصية من أصحابها.
طبعاً، المشهد لا يخلو من سلبيات، استمرار معزوفة الحرمان وعدم الإمكانيات تمثل استمراراً للأرث القديم في استجداء المؤسسات الرسمية، وهو إرث ثبت فشله عهداً بعد عهد ولكن مازال البعض مصراً عليه.
اعتقد أن على المثقف أن يكون متميزاً عن غيره، أن يقترح الحلول، أن لا يتوقف عن المثابرة، ولكن من جهة أخرى علينا أن لا نفصل المثقف عن واقعه، تردي الواقع يشمل في بعض منه تردياً للمثقف.
نعيش اليوم ثورة الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية، حيث يتراجع الكتاب الورقي لصالح المحتوى السريع. كيف ترى مستقبل المجلات الثقافية والكتاب التقليدي؟ وهل نحن أمام تحول تاريخي في مفهوم الثقافة نفسها؟
التطور حدث فعلاً، التطور نفسه بدأ في التطور، وكل يوم يمر يبتكر نمطاً جديداً لم يكن موجوداً بالأمس.
الكتاب الورقي يعيش أيامه الأخيرة والمتاحف تتهيأ لاستقباله كنوع من المقتنيات التاريخية والمأثور القديم.
النشر الالكتروني هو حاضر النشر الآن ( ولا أقول مستقبله ) هذا عن النشر الذي أصبح الآن ساحة مشروعة للعالم الرقمي. وهذا يستتبع بدوره أن ننتبه للثورة التي حدثت. مفهوم الثقافة كما أسميته أنت تأسس الآن على مفاهيم جديدة، انتشار الثقافة، هيمنتها، تأثيرها، كل هذا الخليط تطور الآن بل أنه دخل في تحالف جبار مع مفهوم الاعلام الرقمي لنجد أنفسنا فجأة أمام هيكل جبار لكائن خرافي، وكأن الديناصورات عادت من جديد، لكنها ديناصورات رقمية تهيمن على كل شيء.
أشعر أننا لم نخرج بعد من كهف اللاحضور، مازلنا نعيش في مرحلة نهضة الثقافة في الدولة العباسية ونظن أنها نهاية التاريخ.
لو مُنحت صلاحية وضع استراتيجية وطنية للثقافة في ليبيا لمدة خمس سنوات، فما أول ثلاثة قرارات ستتخذها لإعادة الاعتبار للثقافة بوصفها ركيزة في بناء الدولة؟
قد يصدمك الجواب. ولكني لن أُمنح، ولهذا لن أتعب نفسي في التفكير في ثلاثة قرارات . الأمر غير مجدٍ . جاوزت الستين وآن أن اتناول الشاهي الأخضر مع الكاكاوية وأتوقف عن الأحلام.
ما الإنجاز الذي تشعر أنه سيبقى بعد غيابك؟
الكتب التي أصدرتها، والأعداد التي أنجزتها من محلة الليبي، والافتتاحيات التي كتبتها في كل عدد.
أعرف جيداً أنه سيأتي اليوم التي ستعلن هذه الافتتاحيات فيها ولادتي من جديد.
نُشرت مؤخرًا ترجمة الدكتور شاكر لعيبي لدراسة عالم المصريات البريطاني آيدان دودسون حول ما يُعرف بـ»الفراعنة الليبيين»، والتي تتناول الأسر الليبية التي حكمت مصر خلال القرون من العاشر إلى السابع قبل الميلاد. كيف تقرأ هذه الدراسة من منظورك الأكاديمي؟ وهل تعتقد أن الأدلة التاريخية والأثرية حسمت بالفعل مسألة الأصول الليبية لتلك الأسر الحاكمة، أم أن الملف ما يزال مفتوحًا للنقاش والبحث؟
في الواقع، هذه الدراسة لم تضف جديداً، نعرف كمختصين في التاريخ القديم أن العلاقات القديمة بين القبائل الليبية وبين الدولة المصرية لم تنقطع منذ عصر ما قبل الأسرات، والفراعنة الذين يسميهم البعض بالفراعنة الليبيين ( وهي تسمية تتجاهل التفاصيل التاريخية ) هم فراعنة حكموا مصر بموجب تنشئتهم المصرية، وبموجب عقيدتهم المصرية، وبموجب ثقافتهم المصرية، والتاريخ المصري لا ينكر ذلك، وإذا كان البعض يعتبر أن ليبيا حكمت مصر بفضلهم فعلينا أن نعتقد أن كينيا حكمت أميركا لأن «باراك أوباما» ذو الأصل الكيني حكم أمريكا.
في التاريخ القديم كما الحديث، الدول العظمى ليست مجتمعات طاردة، إنها مجتمعات تستقبل الوافدين إليها، وتستفيد من مؤهلاتهم وكفاءاتهم، ولا تنكر عليهم أن يحكموها ذات يوم، لكنهم يحكمونها بثقافتها هي، وبشروطها الحضارية المتوفرة.
حتى بالنسبة لشيشنق، هو مثال صريح على ما أقول، الجد السابع له كان أسيراً بعد مواجهة بين المشوش والجيش المصري، والأسرى كانوا يواجهون مصير القتل أو العمل في مزارع المعابد، وهكذا عاش في مدينة أهناسيا كمزارع، وجيلاَ وراء جيل كانت الأسرة تنمو، جده من أبيه أصبح كاهناً، وهو اصبح من ضمن عسكر يخدم الدولة، وجرت المقادير حتى وصل إلى سدة الحكم.
لقد حكم شيشنق ذو الأصل الليبي حسب التقاليد المصرية، وعبد الآلهة المصرية، وفكر بموجب الثقافة المصرية.
هكذا يجب أن نفهم التاريخ، لكن مشكلة الذين يكتبون في التاريخ من خارج التخصص أنهم لايملكون البصيرة الكافية، وهذه مشكلة أخرى نعاني منها، أن يكتب عن التاريخ من هم لا يملكون المؤهل الأكاديمي لذلك.

بعد هذه الرحلة الطويلة، كيف يود الدكتور الصديق بودوارة أن يتذكره الليبيون: روائيًا، أم أكاديميًا، أم صحفيًا، أم مؤسسًا لمشروع ثقافي آمن بأن الثقافة ليست ترفًا، بل شرطًا من شروط بقاء المجتمع؟
كل هذا معاً. الهويات التي ذكرت كلها فسيفساء تشكل في لوحة واحدة مخلوقاً كان اسمه ذات يوم «الصديق بودوارة». ولعل كل هذه الهويات تكون قد شكلت دون أن أدري مشروعاً ثقافياً طالما حلمت به.
أخيراً سأخبرك بشيء، الثقافة فعلاً ليست ترفاً، مازلنا وبكل أسف لم نعي بعد أهمية الثقافة وكيف يمكن لها أن تحل لنا عشرات المشاكل التي نعاني منها وكيف يمكن أن تخلق لنا الثقافة وتشكل لنا وعي المواطن الذي ينهض بخطط التنمية ومتطلبات قيام مجتمع ناهض مستنير.
الثقافة هي خريطة الكنز التي اضعناها ذات يوم، وحتي الآن مازلنا نبحث عن الكنز بدونها، ولن نجد ما نبحث عنه بدون خريطة ولو طال بنا الزمن.
Share this content: