×

د.الصديق‭ ‬بودوارة‭ ‬:‬لم‭ ‬يجر‭ ‬تهميش‭ ‬أحد،‭ ‬كلهم‭ ‬تراجعوا‭ ‬خطوة‭ ‬إلى‭ ‬الخلف .

د.الصديق‭ ‬بودوارة‭ ‬:‬لم‭ ‬يجر‭ ‬تهميش‭ ‬أحد،‭ ‬كلهم‭ ‬تراجعوا‭ ‬خطوة‭ ‬إلى‭ ‬الخلف .

الضجيج لا يصنع الحقيقة

 ‬الأمسيات‭ ‬الشعرية‭ ‬لن‭ ‬ترسم‭ ‬مشهداً‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬بلاغة‭ ‬القصائد‭.‬

ليس‭ ‬من‭ ‬السهل‭ ‬إجراء‭ ‬حوار‭ ‬مع‭ ‬الدكتور‭ ‬الصديق‭ ‬أبريك‭ ‬سليمان‭ ‬بودوارة؛‭ ‬فالرجل‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬مجرد‭ ‬اسم‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬الثقافي‭ ‬الليبي،‭ ‬بل‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬جيل‭ ‬من‭ ‬المثقفين‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يكتفوا‭ ‬بإنتاج‭ ‬النصوص،‭ ‬بل‭ ‬سعوا‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬المؤسسات‭ ‬التي‭ ‬تمنح‭ ‬الثقافة‭ ‬فرصة‭ ‬للبقاء‭. ‬وبين‭ ‬الكاتب‭ ‬والصحفي‭ ‬والأكاديمي‭ ‬والناقد‭ ‬ورئيس‭ ‬التحرير،‭ ‬تتشكل‭ ‬تجربة‭ ‬امتدت‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬أربعة‭ ‬عقود،‭ ‬عاصرت‭ ‬تحولات‭ ‬الدولة‭ ‬الليبية،‭ ‬وتقلبات‭ ‬المجتمع،‭ ‬وتبدلات‭ ‬المشهد‭ ‬الأدبي‭ ‬والإعلامي،‭ ‬من‭ ‬زمن‭ ‬الصحافة‭ ‬الورقية‭ ‬إلى‭ ‬زمن‭ ‬المنصات‭ ‬الرقمية‭.‬

في‭ ‬زمن‭ ‬تتراجع‭ ‬فيه‭ ‬القراءة‭ ‬أمام‭ ‬سرعة‭ ‬المحتوى،‭ ‬وتكافح‭ ‬فيه‭ ‬المجلات‭ ‬الثقافية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬البقاء،‭ ‬استطاع‭ ‬بودوارة‭ ‬أن‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬الليبي‮»‬‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬المشاريع‭ ‬الثقافية‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬حافظت‭ ‬على‭ ‬انتظامها‭ ‬وجودة‭ ‬محتواها،‭ ‬واضعة‭ ‬الثقافة‭ ‬الليبية‭ ‬في‭ ‬حوار‭ ‬دائم‭ ‬مع‭ ‬محيطها‭ ‬العربي‭ ‬والإنساني‭.‬

لكن‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬عند‭ ‬السيرة‭ ‬الشخصية،‭ ‬ولا‭ ‬يكتفي‭ ‬باستعراض‭ ‬المنجزات؛‭ ‬بل‭ ‬يحاول‭ ‬الاقتراب‭ ‬من‭ ‬الأسئلة‭ ‬الأكثر‭ ‬إلحاحًا‭: ‬لماذا‭ ‬تراجع‭ ‬تأثير‭ ‬المثقف‭ ‬الليبي؟‭ ‬وهل‭ ‬أخفقت‭ ‬النخب‭ ‬الثقافية‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬مشروع‭ ‬وطني‭ ‬جامع؟‭ ‬وهل‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬الثقافة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬ترميم‭ ‬مجتمع‭ ‬أنهكته‭ ‬الانقسامات‭ ‬والحروب؟‭ ‬وما‭ ‬مستقبل‭ ‬الكتاب‭ ‬الورقي‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي؟

في‭ ‬هذا‭ ‬الحوار،‭ ‬يتحدث‭ ‬الدكتور‭ ‬الصديق‭ ‬بودوارة‭ ‬عن‭ ‬مسيرته،‭ ‬وعن‭ ‬خيبات‭ ‬الثقافة‭ ‬وآمالها،‭ ‬وعن‭ ‬علاقة‭ ‬الكاتب‭ ‬بالسلطة،‭ ‬ودور‭ ‬المؤسسات‭ ‬الثقافية،‭ ‬ومستقبل‭ ‬الأدب‭ ‬الليبي،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لقراءة‭ ‬المشهد‭ ‬من‭ ‬الداخل،‭ ‬بعين‭ ‬من‭ ‬عاشه‭ ‬وأسهم‭ ‬في‭ ‬صنع‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬تاريخه‭.‬

أجرت الحوار :عزيزة حسين .

‬بعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أربعة‭ ‬عقود‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬والعمل‭ ‬الأكاديمي‭ ‬والصحافة‭ ‬وإدارة‭ ‬المؤسسات‭ ‬الثقافية،‭ ‬عندما‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الرحلة،‭ ‬هل‭ ‬تشعر‭ ‬أنك‭ ‬أنجزت‭ ‬المشروع‭ ‬الذي‭ ‬حلمت‭ ‬به،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬المشروع‭ ‬الحقيقي‭ ‬لم‭ ‬يكتمل‭ ‬بعد؟

‭ ‬بكل‭ ‬صدق،‭ ‬لا‭ ‬شيء،‭ ‬اقولها‭ ‬بحسرة‭ ‬وقد‭ ‬مضى‭ ‬العمر،‭ ‬بالتحديد،‭ ‬الجزء‭ ‬الصالح‭ ‬منه‭ ‬لإبداع‭ ‬الجديد،‭ ‬ماتبقى‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬لايصلح‭ ‬إلا‭ ‬لطاولة‭ ‬في‭ ‬مقهى‭ ‬رخيص،‭ ‬واجترار‭ ‬الذكريات‭ ‬مع‭ ‬العابرين‭.‬

المشروع‭ ‬الذي‭ ‬طالما‭ ‬حلمت‭ ‬به‭ ‬لم‭ ‬يُنجز،‭ ‬كان‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬عوامل،‭ ‬إلى‭ ‬فرصة،‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬دولة،‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬ظرف‭ ‬اجتماعي‭ ‬يمهد‭ ‬الطريق،‭ ‬أو‭ ‬الى‭ ‬حدث‭ ‬يمسك‭ ‬بيدك‭ ‬ويقودك‭.‬

دخلت‭ ‬في‭ ‬مشاريع،‭ ‬بدل‭ ‬المشروع،‭ ‬وهذا‭ ‬كان‭ ‬بمثابة‭ ‬تفتيت‭ ‬لحلم‭ ‬المشروع،‭ ‬وكل‭ ‬مشروع‭ ‬استنزف‭ ‬مني‭ ‬قدرات‭ ‬وطاقة‭ ‬وحيوية،‭ ‬ولم‭ ‬يكتمل،‭ ‬المشاريع‭ ‬التي‭ ‬لاتكتمل‭ ‬تترك‭ ‬ندوباً‭ ‬في‭ ‬ذاكرتك،‭ ‬وحسرة‭ ‬لا‭ ‬تموت‭.‬

بدايةً‭ ‬بمدير‭ ‬برامج‭ ‬لإذاعة‭ ‬الجبل‭ ‬الأخضر‭ ‬المحلية،‭ ‬ثم‭ ‬مدير‭ ‬تحرير‭ ‬لصحيفة‭ ‬قورينا‭ ‬اليومية،‭ ‬ثم‭ ‬رئيس‭ ‬تحرير‭ ‬لمجلة‭ ‬الليبي،‭ ‬وأخيراً‭ ‬رئيس‭ ‬تحرير‭ ‬لمجلة‭ ‬آفاق‭ ‬العلوم‭ ‬والتقانة‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬الهيئة‭ ‬الليبية‭ ‬للبحث‭ ‬العلمي‭.‬

كلها،‭ ‬تعاملت‭ ‬معها‭ ‬بكونها‭ ‬مشاريع‭ ‬وليست‭ ‬مجرد‭ ‬وظائف‭. ‬انتميت‭ ‬إليها‭ ‬وودت‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬يتوقف‭ ‬لكي‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭.‬

سأعود‭ ‬إلى‭ ‬حديثك‭ ‬بخصوص‭ ‬اكتمال‭ ‬المشاريع،‭ ‬سأخبرك‭ ‬بشيء،‭ ‬في‭ ‬بلدي،‭ ‬الإرادة،‭ ‬الموهبة،‭ ‬الحلم،‭ ‬كلها‭ ‬كائنات‭ ‬نزيلة‭ ‬في‭ ‬دار‭ ‬أيتام،‭ ‬لا‭ ‬ازدهار‭ ‬لها‭ ‬بدون‭ ‬ماذكرت‭ ‬سابقاً‭ ‬من‭ ‬عوامل‭ ‬نجاح‭ .‬

حلمت‭ ‬فعلاً‭ ‬بكتب‭ ‬كثيرة،‭ ‬لم‭ ‬أحلم‭ ‬بعددها،‭ ‬حلمت‭ ‬بمحتواها،‭ ‬وحلمت‭ ‬بانتشار‭ ‬كبير،‭ ‬لم‭ ‬أحلم‭ ‬بجغرافيته،‭ ‬بل‭ ‬حلمت‭ ‬بقراءه‭ ‬ومتابعيه‭.‬

حلمت‭ ‬بجوائز‭ ‬وندوات‭ ‬أجوب‭ ‬بها‭ ‬العالم،‭ ‬وها‭ ‬أنا‭ ‬بعد‭ ‬الستين‭ ‬أحلم‭ ‬فقط‭ ‬بنزول‭ ‬المرتب‭ ‬في‭ ‬موعده‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬يجوع‭ ‬العيال‭.‬

‬درست‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الزراعي،‭ ‬لكنك‭ ‬كرست‭ ‬حياتك‭ ‬للأدب‭ ‬والثقافة‭. ‬هل‭ ‬كان‭ ‬انتقالك‭ ‬من‭ ‬العلوم‭ ‬إلى‭ ‬الكتابة‭ ‬قرارًا‭ ‬واعيًا،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬الأدب‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬اختارك؟‭ ‬وكيف‭ ‬انعكس‭ ‬تكوينك‭ ‬الأكاديمي‭ ‬على‭ ‬أسلوبك‭ ‬في‭ ‬التفكير‭ ‬والكتابة؟

‭ ‬لم‭ ‬انتقل‭ ‬من‭ ‬العلوم‭ ‬إلى‭ ‬الكتابة،‭ ‬الكتابة‭ ‬سابقة‭ ‬لكل‭ ‬شيء‭ ‬عندي،‭ ‬منذ‭ ‬الصغر‭ ‬كنت‭ ‬أرسم،‭ ‬والرسم‭ ‬كتابة،‭ ‬لكنها‭ ‬بالخطوط،‭ ‬كنت‭ ‬ارسم‭ ‬بمهارة،‭ ‬ولو‭ ‬طورت‭ ‬هذه‭ ‬الموهبة‭ ‬لقدمت‭ ‬فيها‭ ‬الكثير،‭ ‬لكني‭ ‬انتقلت‭ ‬إلى‭ ‬الرسم‭ ‬بالكلمات‭ ‬على‭ ‬رأي‭ ‬‮«‬نزار‮»‬‭.‬

في‭ ‬المرحلة‭ ‬الجامعية‭ ‬كنت‭ ‬ضحية‭ ‬لفكرة‭ ‬سائدة‭ ‬آنذاك‭ ( ‬لا‭ ‬أدري‭ ‬هل‭ ‬مازالت‭ ‬كذلك‭ ) ‬الفكرة‭ ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬التخصص‭ ‬العلمي‭ ‬أفضل‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬الأدبي،‭ ‬هكذا‭ ‬أجبرت‭ ‬على‭ ‬الثانوي‭ ‬العلمي،‭ ‬ثم‭ ‬دخلت‭ ‬الهندسة،‭ ‬جامعة‭ ‬قاريونس‭ ‬آنذاك‭ ‬،الهندسة‭ ‬تحتاج‭ ‬عقلاً‭ ‬مرتباً،‭ ‬عقل‭ ‬مجتهد،‭ ‬مثابر،‭ ‬عقل‭ ‬يصحو‭ ‬باكراً،‭ ‬وينام‭ ‬باكراً،‭ ‬عقل‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬‮«‬عمر‭ ‬الخيام‮»‬،‭ ‬ولم‭ ‬يسمع بعد‭ ‬برباعياته‭ ‬الرائعات‭.‬

لهذا‭ ‬لم‭ ‬أوفق‭ ‬في‭ ‬الهندسة،‭ ‬اضعت‭ ‬فيها‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات‭ ‬عجاف،‭ ‬ثم‭ ‬أمضيت‭ ‬سنة‭ ‬بدون‭ ‬دراسة،‭ ‬ثم‭ ‬وجدت‭ ‬نفسي‭ ‬بقرار‭ ‬عائلي‭ ‬طالباً‭ ‬في‭ ‬سنة‭ ‬أولى‭ ‬زراعة‭ ‬بجامعة‭ ‬عمر‭ ‬المختار‭. ‬وهكذا‭ ‬تحصلت‭ ‬على‭ ‬الشهادة‭ ‬الجامعية‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والإرشاد‭ ‬الزراعي‭.‬

بعد‭ ‬ذلك،‭ ‬ورغم‭ ‬أني‭ ‬أصبحت‭ ‬مهندس‭ ‬مختبر‭ ‬في‭ ‬شركة‭ ‬المطاحن‭ ‬الوطنية،‭ ‬ثم‭ ‬مساعد‭ ‬باحث‭ ‬بكلية‭ ‬الزراعة،‭ ‬ثم‭ ‬مديراً‭ ‬إدارياً‭ ‬لها،‭ ‬شدني‭ ‬الحنين‭ ‬إلى‭ ‬الجانب‭ ‬الأدبي‭ ‬الأكاديمي‭ ‬الذي‭ ‬حُرمت‭ ‬منه‭. ‬درست‭ ‬بنظام‭ ‬الانتساب‭ ‬في‭ ‬كلية‭ ‬الآداب،‭ ‬وتخرجت‭ ‬منها‭ ‬ثم‭ ‬تحصلت‭ ‬على‭ ‬الماجستير‭ ‬ثم‭ ‬الدكتوراه‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬القديم‭. ‬

وهكذا‭.. ‬حائط‭ ‬غرفتي‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬شهادة،‭ ‬تحصل‭ ‬على‭ ‬أربع‭. ‬وهكذا‭ ‬كان‭.‬

بالنسبة‭ ‬للشق‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬سؤالك،‭ ‬أثناء‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬المشوار‭ ‬كنت‭ ‬أكتب،‭ ‬وأتجرأ‭ ‬على‭ ‬كتابة‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬أيضاً،‭ ‬لم‭ ‬يتوقف‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الكائن‭ ‬الذي‭ ‬كنته‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭.‬

أجيبك‭ ‬الآن‭ ‬على‭ ‬الشق‭ ‬الثالث‭ ‬من‭ ‬سؤالك،‭ ‬وأشكرك‭ ‬عليه‭ ‬نعم،‭ ‬كان‭ ‬للجانب‭ ‬الأكاديمي‭ ‬فضل‭ ‬لا‭ ‬أنكره،‭ ‬وسأخبرك‭ ‬كيف‭.‬

الدراسة‭ ‬الأكاديمية‭ ‬وبالتحديد‭ ‬العليا‭ ‬تلزمك‭ ‬بالمراجع،‭ ‬بالهوامش‭ ‬ذات‭ ‬المصداقية،‭ ‬والبحث‭ ‬العلمي‭ ‬لا‭ ‬يستقيم‭ ‬معك‭ ‬مالم‭ ‬تكن‭ ‬أفكارك‭ ‬مرتبة‭ ‬ومصادرك‭ ‬موثوقة‭.‬

هناك‭ ‬شيء‭ ‬آخر،‭ ‬الهدوء،‭ ‬لن‭ ‬تنجز‭ ‬بحثاً‭ ‬وأنت‭ ‬متوتر،‭ ‬ولن‭ ‬تناقش‭ ‬فكرة‭ ‬ما‭ ‬وأنت‭ ‬منفعل‭.‬

هناك‭ ‬أمر‭ ‬في‭ ‬منتهى‭ ‬الأهمية،‭ ‬الجدوى،‭ ‬وشعور‭ ‬الإنجاز،‭ ‬وتقدير‭ ‬القيمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬لعملك،‭ ‬فما‭ ‬تنجزه‭ ‬هو‭ ‬سبيكة‭ ‬ذهب،‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬رجل‭ ‬أعمال‭ ‬أو‭ ‬ثري‭ ‬في‭ ‬الدنيا‭ ‬تضاهي‭ ‬ثروته‭ ‬سبيكة‭ ‬ذهبك‭ ‬التي‭ ‬أنجزتها‭ ‬لتوك‭ ‬بعد‭ ‬معاناة‭ ‬شهور‭ ‬طويلة،‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬هو‭ ‬رجل‭ ‬أعمال،‭ ‬فأنت‭ ‬باحث،‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬جيبه‭ ‬متخماً‭ ‬بالمال‭ ‬فرأسك‭ ‬متخم‭ ‬بالمعرفة‭.‬

درس‭ ‬آخر‭ ‬تعلمته،‭ ‬لا‭ ‬تاريخ‭ ‬بلا‭ ‬نص،‭ ‬ولا‭ ‬تاريخ‭ ‬بدون‭ ‬شاهد‭ ‬أثري،‭ ‬التخمينات‭ ‬لا‭ ‬تصنع‭ ‬تاريخاً،‭ ‬والادعاء‭ ‬لا‭ ‬يصمد‭ ‬أمام‭ ‬حقيقة‭ ‬الشواهد‭.‬

الضجيج‭ ‬لا‭ ‬يصنع‭ ‬الحقيقة،‭ ‬قد‭ ‬يعلو‭ ‬صوته،‭ ‬قد‭ ‬ينتشر،‭ ‬قد‭ ‬تدعمه‭ ‬الأكاذيب‭ ‬فيصبح‭ ‬أطول‭ ‬عمراً،‭ ‬لكنه‭ ‬يبقى‭ ‬مجرد‭ ‬ضجيج‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭.‬

كل‭ ‬هذه‭ ‬ثروة‭ ‬من‭ ‬القيم‭ ‬منحتها‭ ‬لي‭ ‬الدراسة‭ ‬الأكاديمية،‭ ‬أعطتني‭ ‬روحاً‭ ‬غنية‭ ‬بالمعرفة،‭ ‬وأنعمت‭ ‬علي‭ ‬بالتريث‭ ‬وبالتمعن‭ ‬ودراسة‭ ‬الأسباب،‭ ‬وجعلت‭ ‬من‭ ‬رواياتي‭ ‬مجالاً‭ ‬للغوص‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬النفس‭ ‬البشرية‭ ‬وفي‭ ‬كنه‭ ‬العوالم‭ ‬التي‭ ‬تبدو‭ ‬خفية‭ ‬وهي‭ ‬جوهر‭ ‬كل‭ ‬شيء‭.‬

‭‬أسست‭ ‬وأدرت‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬الليبي‮»‬‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬المجلات‭ ‬الثقافية‭ ‬العربية‭. ‬ما‭ ‬الفكرة‭ ‬التي‭ ‬انطلقت‭ ‬منها‭ ‬المجلة؟‭ ‬وهل‭ ‬حققت‭ ‬الرسالة‭ ‬التي‭ ‬حملتها‭ ‬منذ‭ ‬العدد‭ ‬الأول؟

‭ ‬للأمانة،‭ ‬لست‭ ‬أنا‭ ‬من‭ ‬أسس‭ ‬الليبي،‭ ‬هذه‭ ‬المجلة‭ ‬صنيعة‭ ‬مؤسسة‭ ‬الخدمات‭ ‬الإعلامية‭ ‬التابعة‭ ‬لمجلس‭ ‬النواب‭ ‬الليبي،‭ ‬وعندما‭ ‬قررت‭ ‬المؤسسة‭ ‬برئاسة‭ ‬مديرها‭ ‬العام‭ ‬المخرج‭ ‬المعروف‭ ‬الأستاذ‭ ‬‮«‬خالد‭ ‬الشيخي‮»‬‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬لها‭ ‬مجلة‭ ‬ثقافية‭ ‬اسمها‭ ‬‮«‬الليبي‮»‬‭ ‬اتصل‭ ‬بي‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬شهر‭ ‬ديسمبر‭ ‬2019‭ ‬وأخبرني‭ ‬أنه‭ ‬يراني‭ ‬مؤهلاً‭ ‬لرئاسة‭ ‬تحريرها‭. ‬وأنه‭ ‬يريد‭ ‬العدد‭ ‬الأول‭ ‬على‭ ‬مكتبه‭ ‬في‭ ‬1‭.‬1‭. ‬2019‭. ‬وهكذا‭ ‬كان‭. ‬ومنذ‭ ‬ذلك‭ ‬التاريخ‭ ‬الى‭ ‬الآن‭ ‬لم‭ ‬تتوقف‭ ‬الليبي‭ ‬ولا‭ ‬مرة‭. ‬وها‭ ‬نحن‭ ‬على‭ ‬مشارف‭ ‬السنة‭ ‬التاسعة‭ ‬من‭ ‬عمرها‭ ‬الذي‭ ‬أرجو‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مديداً‭.‬

الفكرة‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬الليبي؟‭ ‬أن‭ ‬نخبر‭ ‬العالم‭ ‬أن‭ ‬ليبيا‭ ‬ليست‭ ‬ساحة‭ ‬للقتل‭ ‬والفوضى،‭ ‬هناك‭ ‬بشر‭ ‬مبدعون‭ ‬هنا،‭ ‬هناك‭ ‬مفكرون‭ ‬وروائيون‭ ‬ورسامون‭ ‬ومبدعون‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬المجالات‭.‬هناك‭ ‬بشر‭ ‬يستحقون‭ ‬التقدير‭ ‬لأنهم‭ ‬مبدعون‭.‬

نريد‭ ‬أيضاً‭ ‬أن‭ ‬نمد‭ ‬جسراً‭ ‬من‭ ‬التواصل‭ ‬بين‭ ‬المبدع‭ ‬هنا‭ ‬والمبدع‭ ‬هناك،‭ ‬في‭ ‬أرجاء‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭ ‬الكبير،‭ ‬ننشر‭ ‬لهم‭ ‬وينشرون‭ ‬لنا،‭ ‬نقرأهم‭ ‬ويقرأوننا‭.‬

نريد‭ ‬أن‭ ‬يسجل‭ ‬تاريخنا‭ ‬ليبيا‭ ‬الحديث‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬من‭ ‬1‭, ‬1‭, ‬2019‭ ‬والى‭ ‬ماشاء‭ ‬الله،‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬مجلة‭ ‬ثقافية‭ ‬ذائعة‭ ‬الصيت‭ ‬رائعة‭ ‬الإخراج،‭ ‬مبهرة‭ ‬الحضور،‭ ‬جميلة،‭ ‬فاتنة،‭ ‬اسمها‭ ‬الليبي‭.‬

‬في‭ ‬رأيك،‭ ‬هل‭ ‬أخفقت‭ ‬الدولة‭ ‬الليبية‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬سياسة‭ ‬ثقافية‭ ‬واضحة،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬النخب‭ ‬الثقافية‭ ‬نفسها‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬إنتاج‭ ‬مشروع‭ ‬وطني‭ ‬جامع‭ ‬يتجاوز‭ ‬الانقسامات؟

‭ ‬سؤال‭ ‬مركب،‭ ‬وينطوي‭ ‬على‭ ‬كم‭ ‬هائل‭ ‬من‭ ‬علامات‭ ‬الاستفهام‭. ‬ولنبدأ‭ ‬في‭ ‬ترتيب‭ ‬أولوياته‭ ‬الآن‭.‬

أولاً‭: ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الليبي‭ ‬الحديث‭ ‬ليست‭ ‬مؤسسة‭ ‬راسخة‭ ‬بالقدر‭ ‬الذي‭ ‬يسمح‭ ‬لها‭ ‬بإطلاق‭ ‬مشروع‭ ‬ضخم‭ ‬كبناء‭ ‬سياسة‭ ‬ثقافية‭ ‬متكاملة‭.‬

لا‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أقحم‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬في‭ ‬متاهة‭ ‬تاريخ‭ ‬مشحون،‭ ‬سأكتفي‭ ‬فقط‭ ‬بالقول‭ ‬إن‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬شهدت‭ ‬انتعاشة‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬مرحلة‭ ‬تأسيسها‭ ‬مع‭ ‬الإدارة‭ ‬الإنجليزية‭ ‬التي‭ ‬أفرزت‭ ‬أسساً‭ ‬وقواعد‭ ‬لإدارة‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬نفرط‭ ‬في‭ ‬مهنيتها‭ ‬وصرامتها‭ ‬لتغير‭ ‬واقعنا‭ ‬اليوم‭ ‬ألف‭ ‬درجة‭ ‬على‭ ‬ماهو‭ ‬عليه‭. ‬لكن‭ ‬مشروع‭ ‬بناء‭ ‬دولة‭ ‬مدنية‭ ‬مؤهلة‭ ‬أصيب‭ ‬بانتكاسة‭ ‬لم‭ ‬يستفق‭ ‬من‭ ‬تداعيات‭ ‬زلزالها‭ ‬إلى‭ ‬الآن‭. ‬

أن‭ ‬تبني‭ ‬سياسة‭ ‬ثقافية‭ ‬متكاملة‭ ‬فأنت‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬منهج‭ ‬متكامل‭ ‬وثوابت‭ ‬راسخة‭ ‬وواقع‭ ‬يتم‭ ‬تشييده‭ ‬على‭ ‬مهل،‭ ‬ولكن‭ ‬بثقة‭ ‬واقتناع‭. ‬شبه‭ ‬الدولة‭ ‬لن‭ ‬تقدم‭ ‬لك‭ ‬سوى‭ ‬شبه‭ ‬ثقافة‭.‬

سألتيني‭ ‬عن‭ ‬النخب،‭ ‬إنها‭ ‬تستطيع‭ ‬القيادة‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬الخلق،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬للنخب‭ ‬أن‭ ‬تصنع‭ ‬سياسة‭ ‬ثقافية،‭ ‬الدولة‭ ‬يمكنها‭ ‬ذلك‭. ‬

دعك‭ ‬من‭ ‬الشعارات‭. ‬المثقف‭ ‬لن‭ ‬يمنع‭ ‬الانقسام،‭ ‬ثمة‭ ‬نخب‭ ‬مختلفة‭ ‬بإمكانها‭ ‬ذلك‭. ‬رسم‭ ‬المشهد‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬قوى‭ ‬فاعلة‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬الأمسيات‭ ‬الشعرية‭ ‬لن‭ ‬ترسم‭ ‬مشهداً‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬بلاغة‭ ‬القصائد‭.‬

يقال‭ ‬إن‭ ‬المثقف‭ ‬الليبي‭ ‬تراجع‭ ‬حضوره‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬العام،‭ ‬بينما‭ ‬يرى‭ ‬آخرون‭ ‬أنه‭ ‬جرى‭ ‬تهميشه‭. ‬كيف‭ ‬تقرأ‭ ‬أنت‭ ‬علاقة‭ ‬المثقف‭ ‬الليبي‭ ‬بالمجتمع‭ ‬اليوم؟‭ ‬وهل‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬التأثير؟

‭ ‬لم‭ ‬يجر‭ ‬تهميش‭ ‬أحد،‭ ‬كلهم‭ ‬تراجعوا‭ ‬خطوة‭ ‬إلى‭ ‬الخلف‭. ‬ولكل‭ ‬أسبابه،‭ ‬والمجال‭ ‬العام‭ ‬الذي‭ ‬تتحدثين‭ ‬عنه‭ ‬ليس‭ ‬سوى‭ ‬مجال‭ ‬كسيح،‭ ‬مجال‭ ‬مهموم،‭ ‬مجال‭ ‬يحلم‭ ‬بألف‭ ‬فكرة‭ ‬لكنها‭ ‬أفكار‭ ‬مشتتة،‭ ‬مجال‭ ‬كهذا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ينتج‭ ‬مثقفاً‭ ‬لا‭ ‬يتراجع‭.‬

المثقف‭ ‬لم‭ ‬يهبط‭ ‬إلى‭ ‬مجتمعه‭ ‬من‭ ‬المريخ،‭ ‬إنه‭ ‬نتاج‭ ‬بيئته،‭ ‬فمادام‭ ‬المجتمع‭ ‬يشهد‭ ‬تراجعاً‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مجالاته،‭ ‬فمن‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬يتراجع‭ ‬المثقف‭ ‬وتضعف‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬التأثير‭. ‬

بعد‭ ‬عام‭ ‬2011‭ ‬توسعت‭ ‬مساحة‭ ‬حرية‭ ‬التعبير،‭ ‬لكنها‭ ‬ترافقت‭ ‬مع‭ ‬تصاعد‭ ‬خطاب‭ ‬الكراهية‭ ‬والاستقطاب‭. ‬هل‭ ‬نجح‭ ‬الإعلام‭ ‬والثقافة‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬المجتمع‭ ‬من‭ ‬الانقسام،‭ ‬أم‭ ‬أنهما‭ ‬كانا‭ ‬جزءًا‭ ‬منه؟

 ‬لا‭ ‬أعتقد،‭ ‬مساحة‭ ‬التعبير‭ ‬لم‭ ‬تتسع،‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬كان‭ ‬ثمة‭ ‬خط‭ ‬أحمر‭ ‬واحد،‭ ‬الآن‭ ‬تعددت‭ ‬الخطوط‭ ‬الحمر،‭ ‬ثمة‭ ‬تيارات‭ ‬فكرية‭ ‬وقوى‭ ‬اجتماعية‭ ‬ومؤسسات‭ ‬غير‭ ‬واضحة‭ ‬المعالم،‭ ‬وكلها‭ ‬تعتمد‭ ‬صيغة‭ ‬خطاب‭ ‬متوترة،‭ ‬صدامية،‭ ‬تنزلق‭ ‬إلى‭ ‬العنف‭ ‬لأهون‭ ‬سبب‭.‬

بكل‭ ‬واقعية،‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الاعلام‭ ‬انساق‭ ‬وراء‭ ‬ما‭ ‬يحدث،‭ ‬ولكن‭ ‬وللمصداقية‭ ‬هناك‭ ‬مؤسسات‭ ‬إعلامية‭ ‬كانت‭ ‬مثابرة‭ ‬في‭ ‬تمسكها‭ ‬بمفاهيم‭ ‬الهوية‭ ‬المضادة‭ ‬للانقسام،‭ ‬ومازالت‭ ‬تقاوم‭ ‬التشتت‭ ‬حتي‭ ‬الآن‭. ‬لكن‭ ‬الكل‭ ‬في‭ ‬مأزق،‭ ‬الإعلام‭ ‬بكل‭ ‬فروعه‭ ‬تحت‭ ‬تأثير‭ ‬مشهد‭ ‬محتقن‭. ‬وهذا‭ ‬يجعل‭ ‬منه‭ ‬إعلاماً‭ ‬عاجزاً‭ ‬عن‭ ‬حماية‭ ‬نفسه‭ ‬مابالك‭ ‬بحماية‭ ‬المجتمع‭.‬

‬بصفتك‭ ‬رئيس‭ ‬تحرير،‭ ‬مرّت‭ ‬بين‭ ‬يديك‭ ‬مئات‭ ‬النصوص‭. ‬ما‭ ‬الأخطاء‭ ‬الأكثر‭ ‬شيوعًا‭ ‬لدى‭ ‬الكتّاب‭ ‬الشباب؟‭ ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬يجعلك‭ ‬تؤمن‭ ‬بأن‭ ‬نصًا‭ ‬ما‭ ‬يستحق‭ ‬النشر‭ ‬ويستحق‭ ‬صاحبه‭ ‬أن‭ ‬يُراهن‭ ‬عليه؟

‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬كاتب‭ ‬شاب،‭ ‬هناك‭ ‬كاتب‭ ‬مؤهل،‭ ‬وكاتب‭ ‬غير‭ ‬مؤهل‭. ‬الموهبة‭ ‬مثلها‭ ‬مثل‭ ‬البذرة،‭ ‬تنمو‭ ‬على‭ ‬مهل،‭ ‬ساكنة‭ ‬في‭ ‬تربتها‭ ‬لكنها‭ ‬راسخة‭. ‬

من‭ ‬المقالة‭ ‬الأولى‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تحكم‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬الموهبة‭ ‬من‭ ‬عدمها‭ ‬عند‭ ‬الكاتب،‭ ‬ولكن‭ ‬تظل‭ ‬ما‭ ‬اسميته‭ ‬أنت‭ ‬بالأخطاء،‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬حكم‭ ‬قاس‭ ‬أن‭ ‬نسميها‭ ‬أخطاء،‭ ‬ولن‭ ‬أناقش‭ ‬معك‭ ‬التسمية‭ ‬لكني‭ ‬سأخبرك‭ ‬أن‭ ‬آفة‭ ‬أي‭ ‬كاتب‭ ‬في‭ ‬بداياته‭ ‬هي‭ ‬قلة‭ ‬القراءة،‭ ‬الكاتب‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يقرأ‭ ‬لغيره‭ ‬يحرم‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬مخزون‭ ‬كبير‭ ‬سيحتاج‭ ‬إليه‭ ‬مستقبلاً‭. ‬

هناك‭ ‬أيضاً‭ ‬التحيز‭ ‬المسبق،‭ ‬انه‭ ‬كارثة‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬نصوصه‭ ‬مجرد‭ ‬فرمانات‭ ‬متشابهة،‭ ‬وتجعل‭ ‬لها‭ ‬رائحة‭ ‬أشبه‭ ‬برائحة‭ ‬قط‭ ‬ميت‭.‬

النص‭ ‬الذي‭ ‬يجعلك‭ ‬تراهن‭ ‬عليه‭ ‬هو‭ ‬النص‭ ‬الذي‭.. ‬يحمل‭ ‬رؤية،‭ ‬ويجيب‭ ‬على‭ ‬أسئلة‭ ‬مهمة،‭ ‬لماذا‭ ‬كُتب؟‭ ‬وماهي‭ ‬قضيته؟‭ ‬النص‭ ‬الذي‭ ‬لاقضية‭ ‬له‭ ‬هو‭ ‬نص‭ ‬باهت‭ ‬لن‭ ‬يطول‭ ‬له‭ ‬عمر‭.‬

‬الأدب‭ ‬الليبي‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬أقل‭ ‬حضورًا‭ ‬عربيًا‭ ‬من‭ ‬أدب‭ ‬دول‭ ‬الجوار‭. ‬برأيك،‭ ‬أين‭ ‬تكمن‭ ‬المشكلة‭ ‬تحديدًا؟‭ ‬في‭ ‬النص؟‭ ‬أم‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬مؤسسات‭ ‬الترجمة‭ ‬والنقد‭ ‬والنشر‭ ‬والتسويق‭ ‬الثقافي؟

‭ ‬نعم‭. ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نعترف‭ ‬بذلك‭. ‬هذا‭ ‬نتاج‭ ‬مرحلة‭ ‬سابقة،‭ ‬أيام‭ ‬كان‭ ‬الأدب‭ ‬محتاجاً‭ ‬وبشدة‭ ‬إلى‭ ‬رعاية‭ ‬الدول‭. ‬الآن‭ ‬تغيرت‭ ‬الظروف‭ ‬وعلينا‭ ‬أن‭ ‬نتوقف‭ ‬عن‭ ‬البكاء‭ ‬على‭ ‬الأطلال‭.‬

في‭ ‬الماضي‭ ‬كان‭ ‬الحضور‭ ‬شبه‭ ‬مستحيل‭ ‬إذا‭ ‬غابت‭ ‬دولتك،‭ ‬إذا‭ ‬تخلت‭ ‬عنك‭ ‬مؤسسات‭ ‬مثل‭ ‬وزارة‭ ‬الإعلام‭ ‬أو‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة‭ ‬تجد‭ ‬نفسك‭ ‬منزوياً‭ ‬لايحفل‭ ‬بك‭ ‬العالم،‭ ‬اذا‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬إيفادك‭ ‬ضمن‭ ‬وفد‭ ‬لحضور‭ ‬معرض‭ ‬كتاب‭ ‬مثلاً‭ ‬أو‭ ‬ترشيحك‭ ‬لطباعة‭ ‬كتاب‭ ‬فأنت‭ ‬حبيس‭ ‬كهف‭.‬

إذا‭ ‬لم‭ ‬تقم‭ ‬مؤسسسة‭ ‬حكومية‭ ‬بترجمة‭ ‬أعمالك‭ ‬فلن‭ ‬يقرأ‭ ‬العالم‭ ‬خارج‭ ‬الكهف‭ ‬ما‭ ‬تكتب‭.‬

كل‭ ‬هذا‭ ‬أصبح‭ ‬مضحكاً‭ ‬الآن،‭ ‬والمضحك‭ ‬أكثر‭ ‬هو‭ ‬وجود‭ ‬من‭ ‬مازال‭ ‬يؤمن‭ ‬به‭.‬

التقنية‭ ‬الآن‭ ‬رمت‭ ‬بوزارات‭ ‬الثقافة‭ ‬والاعلام‭ ‬في‭ ‬الفراغ،‭ ‬وبالترشيحات‭ ‬والحضور‭ ‬المبرمج‭ ‬للمعارض‭. ‬

التقنية‭ ‬الآن‭ ‬أعلنت‭ ‬موت‭ ‬الترجمة‭ ‬برعاية‭ ‬الدولة،‭ ‬الآن‭ ‬أصبح‭ ‬جوجل‭ ‬مستعداً‭ ‬لترجمة‭ ‬كل‭ ‬أعمالك،‭ ‬وأصبحت‭ ‬طباعة‭ ‬كتبك‭ ‬ونشرها‭ ‬قرار‭ ‬تتخذه‭ ‬أنت،‭ ‬بإمكانك‭ ‬أن‭ ‬تجعل‭ ‬العالم‭ ‬يقرأ‭ ‬كتبك‭ ‬بصيغة‭ ‬pdf‭ ‬بدون‭ ‬الحاجة‭ ‬الى‭ ‬توقيع‭ ‬مسؤول‭.‬

هل‭ ‬تعرفين‭ ‬الى‭ ‬ماذا‭ ‬نحتاج‭ ‬الآن؟‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬الكف‭ ‬عن‭ ‬استجداء‭ ‬الدولة‭ ‬لتهتم‭ ‬بنا‭ ‬ثقافياً،‭ ‬التقنية‭ ‬الآن‭ ‬هي‭ ‬دولتنا‭.‬

‬عاصرت‭ ‬أجيالًا‭ ‬متعاقبة‭ ‬من‭ ‬الأدباء‭ ‬الليبيين‭. ‬هل‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬قطيعة‭ ‬بين‭ ‬جيل‭ ‬الرواد‭ ‬والجيل‭ ‬الجديد،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬الاختلاف‭ ‬طبيعي‭ ‬تفرضه‭ ‬تحولات‭ ‬الزمن‭ ‬وأدوات‭ ‬التعبير؟

‭ ‬لا‭ ‬اعتقد‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬قطيعة،‭ ‬فمازلنا‭ ‬نقرأ‭ ‬لهم،‭ ‬وفي‭ ‬الواقع‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬هناك‭ ‬جيلين‭ ‬فقط،‭ ‬رواد،‭ ‬ونحن‭. ‬هناك‭ ‬مسافة‭ ‬أصبحت‭ ‬تفصل‭ ‬بيننا‭ ‬وبين‭ ‬ماتسميه‭ ‬جيل‭ ‬الرواد‭.‬

كان‭ ‬شرفهم‭ ‬الأكبر‭ ‬أنهم‭ ‬البدايات،‭ ‬تحملوا‭ ‬مشاق‭ ‬الخلق،‭ ‬ومضوا‭ ‬بنصوصهم‭ ‬إلى‭ ‬حيث‭ ‬أسسوا‭ ‬مناخ‭ ‬كتابة‭ ‬استفاد‭ ‬منه‭ ‬من‭ ‬جاء‭ ‬بعدهم‭. ‬لهذا‭ ‬اعتبر‭ ‬كل‭ ‬نتاج‭ ‬لأحد‭ ‬الرواد‭ ‬مشروع‭ ‬تأسيس،‭ ‬ولا‭ ‬أحاكم‭ ‬فيه‭ ‬الأسلوب‭ ‬ولا‭ ‬الجودة‭. ‬يكفيه‭ ‬أنه‭ ‬نتاج‭ ‬مؤسس‭ ‬وهذا‭ ‬بحد‭ ‬ذاته‭ ‬جدير‭ ‬بالاحترام‭.‬

‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬المثقف‭ ‬والسلطة‭ ‬ظلت‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬القضايا‭ ‬إثارة‭ ‬للجدل‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭. ‬كيف‭ ‬تقرأ‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬في‭ ‬ليبيا؟‭ ‬وهل‭ ‬يستطيع‭ ‬المثقف‭ ‬أن‭ ‬يحتفظ‭ ‬باستقلاله‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬خصم‭ ‬دائم‭ ‬للسلطة‭ ‬أو‭ ‬تابع‭ ‬لها؟

‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬أجتاز‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬سأقول‭ ‬لك‭: ‬على‭ ‬مر‭ ‬التاريخ،‭ ‬المثقف‭ ‬الحقيقي‭ ‬هو‭ ‬المثقف‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يحتفظ‭ ‬بعلاقة‭ ‬جيدة‭ ‬مع‭ ‬السلطة‭. ‬على‭ ‬مر‭ ‬التاريخ،‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬المثقف‭ ‬والسلطة‭ ‬كانت‭ ‬دائماً‭ ‬متوترة،‭ ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬الوضع‭ ‬بينهما‭ ‬يصنف‭ ‬غير‭ ‬طبيعي‭ ‬إذا‭ ‬حدث‭ ‬العكس‭.‬

أقول‭ ‬هذا‭ ‬واستغفر‭ ‬الله‭ ‬لي‭ ‬ولكم‭. ‬

لو‭ ‬طلبت‭ ‬منك‭ ‬أن‭ ‬تقيّم‭ ‬المشهد‭ ‬الثقافي‭ ‬الليبي‭ ‬اليوم‭ ‬بقدر‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الصراحة،‭ ‬فما‭ ‬أبرز‭ ‬إخفاقاته؟‭ ‬وهل‭ ‬يتحمل‭ ‬المثقفون‭ ‬أنفسهم‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬مسؤولية‭ ‬هذا‭ ‬الواقع؟

 ‬إنه‭ ‬مشهد‭ ‬مشحون،‭ ‬ثمة‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأقلام‭ ‬الجيدة،‭ ‬ثمة‭ ‬الكثير‭ ‬أيضاً‭ ‬من‭ ‬الأدعياء،‭ ‬لكن‭ ‬القارئ‭ ‬الجيد‭ ‬يستطيع‭ ‬دائماً‭ ‬تمييز‭ ‬هذا‭ ‬عن‭ ‬ذاك‭.‬

أن‭ ‬له‭ ‬إيجابيات‭ ‬عديدة،‭ ‬فقد‭ ‬استطاع‭ ‬التواصل‭ ‬بشكل‭ ‬جيد‭ ‬مع‭ ‬الآخرين،‭ ‬ومازال‭ ‬يحقق‭ ‬بعض‭ ‬النجاحات‭ ‬في‭ ‬إثبات‭ ‬حضوره‭ ‬عربياً‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المشاركات‭ ‬المثابرة‭ ‬واعتقد‭ ‬أن‭ ‬أغلب‭ ‬هذه‭ ‬النجاحات‭ ‬تمت‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬الدولة‭ ‬وبجهود‭ ‬شخصية‭ ‬من‭ ‬أصحابها‭. ‬

طبعاً،‭ ‬المشهد‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬سلبيات،‭ ‬استمرار‭ ‬معزوفة‭ ‬الحرمان‭ ‬وعدم‭ ‬الإمكانيات‭ ‬تمثل‭ ‬استمراراً‭ ‬للأرث‭ ‬القديم‭ ‬في‭ ‬استجداء‭ ‬المؤسسات‭ ‬الرسمية،‭ ‬وهو‭ ‬إرث‭ ‬ثبت‭ ‬فشله‭ ‬عهداً‭ ‬بعد‭ ‬عهد‭ ‬ولكن‭ ‬مازال‭ ‬البعض‭ ‬مصراً‭ ‬عليه‭.‬

اعتقد‭ ‬أن‭ ‬على‭ ‬المثقف‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬متميزاً‭ ‬عن‭ ‬غيره،‭ ‬أن‭ ‬يقترح‭ ‬الحلول،‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬عن‭ ‬المثابرة،‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬نفصل‭ ‬المثقف‭ ‬عن‭ ‬واقعه،‭ ‬تردي‭ ‬الواقع‭ ‬يشمل‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬منه‭ ‬تردياً‭ ‬للمثقف‭.‬

‬نعيش‭ ‬اليوم‭ ‬ثورة‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬والمنصات‭ ‬الرقمية،‭ ‬حيث‭ ‬يتراجع‭ ‬الكتاب‭ ‬الورقي‭ ‬لصالح‭ ‬المحتوى‭ ‬السريع‭. ‬كيف‭ ‬ترى‭ ‬مستقبل‭ ‬المجلات‭ ‬الثقافية‭ ‬والكتاب‭ ‬التقليدي؟‭ ‬وهل‭ ‬نحن‭ ‬أمام‭ ‬تحول‭ ‬تاريخي‭ ‬في‭ ‬مفهوم‭ ‬الثقافة‭ ‬نفسها؟

‭ ‬التطور‭ ‬حدث‭ ‬فعلاً،‭ ‬التطور‭ ‬نفسه‭ ‬بدأ‭ ‬في‭ ‬التطور،‭ ‬وكل‭ ‬يوم‭ ‬يمر‭ ‬يبتكر‭ ‬نمطاً‭ ‬جديداً‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬موجوداً‭ ‬بالأمس‭.‬

الكتاب‭ ‬الورقي‭ ‬يعيش‭ ‬أيامه‭ ‬الأخيرة‭ ‬والمتاحف‭ ‬تتهيأ‭ ‬لاستقباله‭ ‬كنوع‭ ‬من‭ ‬المقتنيات‭ ‬التاريخية‭ ‬والمأثور‭ ‬القديم‭.‬

النشر‭ ‬الالكتروني‭ ‬هو‭ ‬حاضر‭ ‬النشر‭ ‬الآن‭ ( ‬ولا‭ ‬أقول‭ ‬مستقبله‭ ) ‬هذا‭ ‬عن‭ ‬النشر‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬الآن‭ ‬ساحة‭ ‬مشروعة‭ ‬للعالم‭ ‬الرقمي‭. ‬وهذا‭ ‬يستتبع‭ ‬بدوره‭ ‬أن‭ ‬ننتبه‭ ‬للثورة‭ ‬التي‭ ‬حدثت‭. ‬مفهوم‭ ‬الثقافة‭ ‬كما‭ ‬أسميته‭ ‬أنت‭ ‬تأسس‭ ‬الآن‭ ‬على‭ ‬مفاهيم‭ ‬جديدة،‭ ‬انتشار‭ ‬الثقافة،‭ ‬هيمنتها،‭ ‬تأثيرها،‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الخليط‭ ‬تطور‭ ‬الآن‭ ‬بل‭ ‬أنه‭ ‬دخل‭ ‬في‭ ‬تحالف‭ ‬جبار‭ ‬مع‭ ‬مفهوم‭ ‬الاعلام‭ ‬الرقمي‭ ‬لنجد‭ ‬أنفسنا‭ ‬فجأة‭ ‬أمام‭ ‬هيكل‭ ‬جبار‭ ‬لكائن‭ ‬خرافي،‭ ‬وكأن‭ ‬الديناصورات‭ ‬عادت‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬لكنها‭ ‬ديناصورات‭ ‬رقمية‭ ‬تهيمن‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬شيء‭. ‬

أشعر‭ ‬أننا‭ ‬لم‭ ‬نخرج‭ ‬بعد‭ ‬من‭ ‬كهف‭ ‬اللاحضور،‭ ‬مازلنا‭ ‬نعيش‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬نهضة‭ ‬الثقافة‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬العباسية‭ ‬ونظن‭ ‬أنها‭ ‬نهاية‭ ‬التاريخ‭.‬

‬لو‭ ‬مُنحت‭ ‬صلاحية‭ ‬وضع‭ ‬استراتيجية‭ ‬وطنية‭ ‬للثقافة‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬لمدة‭ ‬خمس‭ ‬سنوات،‭ ‬فما‭ ‬أول‭ ‬ثلاثة‭ ‬قرارات‭ ‬ستتخذها‭ ‬لإعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬للثقافة‭ ‬بوصفها‭ ‬ركيزة‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الدولة؟

‭  ‬قد‭ ‬يصدمك‭ ‬الجواب‭. ‬ولكني‭ ‬لن‭ ‬أُمنح،‭ ‬ولهذا‭ ‬لن‭ ‬أتعب‭ ‬نفسي‭ ‬في‭ ‬‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬ثلاثة‭ ‬قرارات‭ . ‬الأمر‭ ‬غير‭ ‬مجدٍ‭ . ‬جاوزت‭ ‬الستين‭ ‬وآن‭ ‬أن‭ ‬اتناول‭ ‬الشاهي‭ ‬الأخضر‭ ‬مع‭ ‬الكاكاوية‭ ‬وأتوقف‭ ‬عن‭ ‬الأحلام‭.‬

 ‬ما‭ ‬الإنجاز‭ ‬الذي‭ ‬تشعر‭ ‬أنه‭ ‬سيبقى‭ ‬بعد‭ ‬غيابك؟

‭ ‬الكتب‭ ‬التي‭ ‬أصدرتها،‭ ‬والأعداد‭ ‬التي‭ ‬أنجزتها‭ ‬من‭ ‬محلة‭ ‬الليبي،‭ ‬والافتتاحيات‭ ‬التي‭ ‬كتبتها‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬عدد‭.‬

أعرف‭ ‬جيداً‭ ‬أنه‭ ‬سيأتي‭ ‬اليوم‭ ‬التي‭ ‬ستعلن‭ ‬هذه‭ ‬الافتتاحيات‭ ‬فيها‭ ‬ولادتي‭ ‬من‭ ‬جديد‭.‬

‭ ‬نُشرت‭ ‬مؤخرًا‭ ‬ترجمة‭ ‬الدكتور‭ ‬شاكر‭ ‬لعيبي‭ ‬لدراسة‭ ‬عالم‭ ‬المصريات‭ ‬البريطاني‭ ‬آيدان‭ ‬دودسون‭ ‬حول‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ»الفراعنة‭ ‬الليبيين‮»‬،‭ ‬والتي‭ ‬تتناول‭ ‬الأسر‭ ‬الليبية‭ ‬التي‭ ‬حكمت‭ ‬مصر‭ ‬خلال‭ ‬القرون‭ ‬من‭ ‬العاشر‭ ‬إلى‭ ‬السابع‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد‭. ‬كيف‭ ‬تقرأ‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬من‭ ‬منظورك‭ ‬الأكاديمي؟‭ ‬وهل‭ ‬تعتقد‭ ‬أن‭ ‬الأدلة‭ ‬التاريخية‭ ‬والأثرية‭ ‬حسمت‭ ‬بالفعل‭ ‬مسألة‭ ‬الأصول‭ ‬الليبية‭ ‬لتلك‭ ‬الأسر‭ ‬الحاكمة،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬الملف‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬مفتوحًا‭ ‬للنقاش‭ ‬والبحث؟

 ‬في‭ ‬الواقع،‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬لم‭ ‬تضف‭ ‬جديداً،‭ ‬نعرف‭ ‬كمختصين‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬القديم‭ ‬أن‭ ‬العلاقات‭ ‬القديمة‭ ‬بين‭ ‬القبائل‭ ‬الليبية‭ ‬وبين‭ ‬الدولة‭ ‬المصرية‭ ‬لم‭ ‬تنقطع‭ ‬منذ‭ ‬عصر‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الأسرات،‭ ‬والفراعنة‭ ‬الذين‭ ‬يسميهم‭ ‬البعض‭ ‬بالفراعنة‭ ‬الليبيين‭ ( ‬وهي‭ ‬تسمية‭ ‬تتجاهل‭ ‬التفاصيل‭ ‬التاريخية‭ ) ‬هم‭ ‬فراعنة‭ ‬حكموا‭ ‬مصر‭ ‬بموجب‭ ‬تنشئتهم‭ ‬المصرية،‭ ‬وبموجب‭ ‬عقيدتهم‭ ‬المصرية،‭ ‬وبموجب‭ ‬ثقافتهم‭ ‬المصرية،‭ ‬والتاريخ‭ ‬المصري‭ ‬لا‭ ‬ينكر‭ ‬ذلك،‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬البعض‭ ‬يعتبر‭ ‬أن‭ ‬ليبيا‭ ‬حكمت‭ ‬مصر‭ ‬بفضلهم‭ ‬فعلينا‭ ‬أن‭ ‬نعتقد‭ ‬أن‭ ‬كينيا‭ ‬حكمت‭ ‬أميركا‭ ‬لأن‭ ‬‮«‬باراك‭ ‬أوباما‮»‬‭ ‬ذو‭ ‬الأصل‭ ‬الكيني‭ ‬حكم‭ ‬أمريكا‭.‬

في‭ ‬التاريخ‭ ‬القديم‭ ‬كما‭ ‬الحديث،‭ ‬الدول‭ ‬العظمى‭ ‬ليست‭ ‬مجتمعات‭ ‬طاردة،‭ ‬إنها‭ ‬مجتمعات‭ ‬تستقبل‭ ‬الوافدين‭ ‬إليها،‭ ‬وتستفيد‭ ‬من‭ ‬مؤهلاتهم‭ ‬وكفاءاتهم،‭ ‬ولا‭ ‬تنكر‭ ‬عليهم‭ ‬أن‭ ‬يحكموها‭ ‬ذات‭ ‬يوم،‭ ‬لكنهم‭ ‬يحكمونها‭ ‬بثقافتها‭ ‬هي،‭ ‬وبشروطها‭ ‬الحضارية‭ ‬المتوفرة‭. ‬

حتى‭ ‬بالنسبة‭ ‬لشيشنق،‭ ‬هو‭ ‬مثال‭ ‬صريح‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬أقول،‭ ‬الجد‭ ‬السابع‭ ‬له‭ ‬كان‭ ‬أسيراً‭ ‬بعد‭ ‬مواجهة‭ ‬بين‭ ‬المشوش‭ ‬والجيش‭ ‬المصري،‭ ‬والأسرى‭ ‬كانوا‭ ‬يواجهون‭ ‬مصير‭ ‬القتل‭ ‬أو‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬مزارع‭ ‬المعابد،‭ ‬وهكذا‭ ‬عاش‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬أهناسيا‭ ‬كمزارع،‭ ‬وجيلاَ‭ ‬وراء‭ ‬جيل‭ ‬كانت‭ ‬الأسرة‭ ‬تنمو،‭ ‬جده‭ ‬من‭ ‬أبيه‭ ‬أصبح‭ ‬كاهناً،‭ ‬وهو‭ ‬اصبح‭ ‬من‭ ‬ضمن‭ ‬عسكر‭ ‬يخدم‭ ‬الدولة،‭ ‬وجرت‭ ‬المقادير‭ ‬حتى‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬سدة‭ ‬الحكم‭.‬

لقد‭ ‬حكم‭ ‬شيشنق‭ ‬ذو‭ ‬الأصل‭ ‬الليبي‭ ‬حسب‭ ‬التقاليد‭ ‬المصرية،‭ ‬وعبد‭ ‬الآلهة‭ ‬المصرية،‭ ‬وفكر‭ ‬بموجب‭ ‬الثقافة‭ ‬المصرية‭.‬

هكذا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نفهم‭ ‬التاريخ،‭ ‬لكن‭ ‬مشكلة‭ ‬الذين‭ ‬يكتبون‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬التخصص‭ ‬أنهم‭ ‬لايملكون‭ ‬البصيرة‭ ‬الكافية،‭ ‬وهذه‭ ‬مشكلة‭ ‬أخرى‭ ‬نعاني‭ ‬منها،‭ ‬أن‭ ‬يكتب‭ ‬عن‭ ‬التاريخ‭ ‬من‭ ‬هم‭ ‬لا‭ ‬يملكون‭ ‬المؤهل‭ ‬الأكاديمي‭ ‬لذلك‭.‬

 ‬بعد‭ ‬هذه‭ ‬الرحلة‭ ‬الطويلة،‭ ‬كيف‭ ‬يود‭ ‬الدكتور‭ ‬الصديق‭ ‬بودوارة‭ ‬أن‭ ‬يتذكره‭ ‬الليبيون‭: ‬روائيًا،‭ ‬أم‭ ‬أكاديميًا،‭ ‬أم‭ ‬صحفيًا،‭ ‬أم‭ ‬مؤسسًا‭ ‬لمشروع‭ ‬ثقافي‭ ‬آمن‭ ‬بأن‭ ‬الثقافة‭ ‬ليست‭ ‬ترفًا،‭ ‬بل‭ ‬شرطًا‭ ‬من‭ ‬شروط‭ ‬بقاء‭ ‬المجتمع؟

 ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬معاً‭. ‬الهويات‭ ‬التي‭ ‬ذكرت‭ ‬كلها‭ ‬فسيفساء‭ ‬تشكل‭ ‬في‭ ‬لوحة‭ ‬واحدة‭ ‬مخلوقاً‭ ‬كان‭ ‬اسمه‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬‮«‬الصديق‭ ‬بودوارة‮»‬‭. ‬ولعل‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الهويات‭ ‬تكون‭ ‬قد‭ ‬شكلت‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬أدري‭ ‬مشروعاً‭ ‬ثقافياً‭ ‬طالما‭ ‬حلمت‭ ‬به‭.‬

أخيراً‭ ‬سأخبرك‭ ‬بشيء،‭ ‬الثقافة‭ ‬فعلاً‭ ‬ليست‭ ‬ترفاً،‭ ‬مازلنا‭ ‬وبكل‭ ‬أسف‭ ‬لم‭ ‬نعي‭ ‬بعد‭ ‬أهمية‭ ‬الثقافة‭ ‬وكيف‭ ‬يمكن‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تحل‭ ‬لنا‭ ‬عشرات‭ ‬المشاكل‭ ‬التي‭ ‬نعاني‭ ‬منها‭ ‬وكيف‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تخلق‭ ‬لنا‭ ‬الثقافة‭ ‬وتشكل‭ ‬لنا‭ ‬وعي‭ ‬المواطن‭ ‬الذي‭ ‬ينهض‭ ‬بخطط‭ ‬التنمية‭ ‬ومتطلبات‭ ‬قيام‭ ‬مجتمع‭ ‬ناهض‭ ‬مستنير‭.‬

الثقافة‭ ‬هي‭ ‬خريطة‭ ‬الكنز‭ ‬التي‭ ‬اضعناها‭ ‬ذات‭ ‬يوم،‭ ‬وحتي‭ ‬الآن‭ ‬مازلنا‭ ‬نبحث‭ ‬عن‭ ‬الكنز‭ ‬بدونها،‭ ‬ولن‭ ‬نجد‭ ‬ما‭ ‬نبحث‭ ‬عنه‭ ‬بدون‭ ‬خريطة‭ ‬ولو‭ ‬طال‭ ‬بنا‭ ‬الزمن‭.‬

Share this content: