حين يُنتهك الصمت
التحرش الجنسي جريمة
تُرتكب في العلن وتُعاش في الخفاء
هذا التقرير، وما يليه من حوار، ليسا فضحًا… بل مقاومة.
.المجتمع الليبي كأي مجتمع آخر معرض لكثير من الأمراض ان صحة التسمية التي تصيب نسيجه الاجتماعي وتترك ندوبا واضحة في مكوناته
التحرش احد هذه الأمراض فحين تغيب الأرقام، لا يعني ذلك أن الجريمة أقل حضورًا، بل أن الخوف أعمق، وأن الألم يُدار في الخفاء، بعيدًا عن الجداول والتقارير الرسمية
. في الشارع، في الطابور، في العمل، في وسائل النقل، وحتى خلف الأبواب التي يُفترض أنها آمنة، تُرتكب جريمة لا تترك دمًا على الأرض، لكنها تترك خوفًا دائمًا في الروح. التحرش الجنسي يحدث في مجتمع يرى ويسأل الضحية عن ذنبٍ لم ترتكبه.

النساء مذنبات
كانت تسير بين الناس، لا تحمل سوى حقيبتها الصغيرة وأحلامها المؤجلة، لكن الشارع لم يكن محايدًا. نظرات متطفلة، كلمات عابرة، اقتراب غير مبرر… تفاصيل قد يراها البعض عادية، لكنها بالنسبة لها كانت بداية خوفٍ طويل. لم تُصب بجُرحٍ ظاهر، لكنها عادت إلى بيتها محمّلة بارتباكٍ ثقيل، وبشعورٍ غامض بالانتهاك، وبسؤالٍ ظل يلاحقها بإلحاح: لماذا يحدث هذا لي؟
البلاغات الرسمية، بقدر ما تُقاس بعدد القصص التي لم تُحكَ، وبعدد الأصوات التي أُجبرت على الصمت لكنها ناقصة وغير مسجلة
في طابورٍ طويل، كانت س.ك تنتظر دورها، لا تفعل شيئًا سوى الوقوف. فجأة شعرت بأن المسافة حولها تضيق، حين حاول أحدهم أن يستبيح جسدها. هذه الجرائم لا تحتاج إلى الظلام، لأنها محمية بثقافة التبرير، والخوف، والإنكار
حكايا مختلفة والضحية واحدة
امرأة تعرّضت لتحرش متكرر من شخص يعمل في محيطها اليومي، وجه مألوف لا يثير الريبة. كانت تصمت في كل مرة، تقنع نفسها بأن التجاهل سيضع حدًا لما يحدث، إلى أن اكتشفت أن الصمت لم يوقف شيئًا، بل شجّع الجاني على الاستمرار. وعندما قررت أخيرًا الاعتراض، لم تُسأل عمّا تعرّضت له، بل عن سبب سكوتها السابق، وكأن الصمت تحوّل من رد فعل طبيعي على الخوف إلى دليل إدانة.
وفي حادثة أخرى أكثر غرابة، تعرّضت ع.ف لتحرش علني، لكن الصدمة الحقيقية بان احدا لم يتدخل بل وُجّهت إليها نظرات اللوم، وطُلب منها أن تصرف بعقلانيةحتى لا تثير مشكلة.
أما القصة الأكثر قسوة، فهي تلك التي تبدأ داخل الدائرة القريبة. فتاة تعرّضت لاعتداء من شخص تعرفه وتثق به الحدث شكل انهيارًا كاملًا لفكرة الأمان. لم تجرؤ على الكلام، لأن الجاني لم يكن غريبًا، بل شخصًا قد يصدّقه الجميع. فاختارت الصمت، وعاشت وحدها مع خوفها، بينما واصل الجاني حياته كأن شيئًا لم يكن.
هذه التجارب، على اختلاف تفاصيلها، تشترك في حقيقة واحدة: الأذى لا ينتهي بانتهاء لحظة التحرش أو الاعتداء، بل يبدأ بعدها.
اجتماعيًا، تتضاعف المأساة حين يُعاد إنتاج الجريمة بشكل آخر. فبدل أن يُحتضن صوت الضحية، يُطالَب بالصمت “حفاظًا على السمعة”، وبدل أن يُحاسَب الجاني، تُراقَب تصرفات الفتاة وملابسها وخياراتها. في هذه اللحظة، لا يعود التحرش فعلًا فرديًا معزولًا، بل يصبح نتاج ثقافة كاملة تبرر، أو تتغاضى، أو تصمت
ويؤكد مختصون في علم الاجتماع أن انتشار التحرش يرتبط بجملة من الأسباب المتشابكة، أبرزها ضعف الردع القانوني أو غياب تطبيقه، وافتقار التربية القائمة على احترام الجسد والحدود، إضافة إلى ثقافة اجتماعية تُلقي اللوم على الضحية، وخطابات إعلامية تكرّس التشييء أو تطبّع العنف.
في هذا السياق، التقينا المستشار د. عبد الحميد بالنور، المعالج النفسي واستشاري العلاقات الأسرية، وعضو المجلس الاستشاري الأسري العربي، والباحث في الجريمة والعنف وتعديل سلوك المنحرفين، ليضع اليد على الجرح النفسي المسكوت عنه، ويفكك علميًا لماذا يؤلم التحرش حتى دون اعتداء مباشر، ولماذا تلوم الضحية نفسها، ولماذا تختار الصمت، وما الثمن الباهظ الذي يُدفع باسم (السمعة)، وكيف يمكن رغم كل ذلك أن يبدأ التعافي.

قصص فتيات
سـرُق منهن الأمـان
فــــي وضــــح النهــــار
الوجه الذي يسكن تفاصيل النساء
صرخات مكتومة خلف جدران السمعة والتبرير
ما هي الاثار النفسية التي يخلفها التحرش الجنسي ؟
إن التعرض للتحرش الجنسي في أي مرحلة من مراحل العمر هو بمثابة نزيف نفسي مخيف ومرعب ومزعج، ومقلق ومهين ومرهق، تتأثر به حياة المعتدي عليه، ويعيش في حالة من التحطيم والاهانة والمهانة، والتدمير النفسي والجسدي، ويسبب في حدوث اضطراب عميق لأنظمة الاتصال والنظام العلائقي، ونظام المعتقدات والقيم والمبادي والمعارف التي تتدخل في تكوين روابط الانسان الداخلية. خاصة إذا كان هذا الاعتداء من شخص يعرفه ويثق به، وإذا كان يتمتع بسلطة عليه، وهناك عدة اثار جسمية ونفسية كما اشارت اليه
الدراسات النفسية التي بينت ان من مخلفات التحرش على الصحة العامة يسبب في ارتفاع ضغط الدم واضطرابات الاكل والنوم، والشعور بالإعياء والارهاق والصداع المستمر. أما نفسيا والأكثر ألما تتمثل في الاكتئاب والقلق المزمن والعر والخوف، ونوبات الهلع واضطراب ما بعد الصدمة، وسوء التوافق النفسي وعدم تقدير الذات، وانعدام الثقة بالنفس، والعزلة والانطواء، والكوابيس المزعجة.

لماذا تميل الضحية الي لوم نفسها رغم إدراكها انها لم تخط؟
من اهم تأثيرات التحرش الجنسي على المعتدي عليه هو رد الفعل العنيف ولوم المجني عليه بشدة من قبل اسرته والمحيطين به، وإن خوفه من ان يبوح بهذا الاعتداء وما يمكن ان ينتج عنه سواء من الاسرة او المجتمع فيضطر للعيش وحيدا مع كل آلامه، ولا يعلم بمعاناته أحد تجنبا للشعور (بالوصم الاجتماعي). إن نمط التربية والتنشئة الاجتماعية، والبيئة الثقافية لها الدور الأبرز في هذا الجانب، والنظرة الاجتماعية البائسة وما تحويه هذه النظرة من تباين بين شفقة وإزدراء للضحية، مع علمهم المسبق ان هذا الاعتداء لادور له فيه، ولا يسأل عما حدث. إن لغياب الوعي المجتمعي لهذه المشاكل، إضافة الي عدم توفر الرعاية الصحية النفسية المناسبة، وانعدام الدعم الاسري المناسب واحتواء المجني عليه بطريقة علمية وصحية، ودعمه لإعادة بناء شخصيته وتوفير العلاج النفسي المطلوب مما يعينه على التكيف السليم.
كيف يفسر علم النفس حالة الجمود والصمت التي تصيب بعض ضحايا التحرش الجنسي؟
يعد التحرش الجنسي صدمة نفسية تسبب مشاعر العجز والضعف، تقلل من إحساس الفرد بذاته وعدم قدرته على استعاب ما حدث له، و كتمان المشاعر والهروب من الواقع والانفصال عنه، واحساسه بالدونية، ومشاعر بالذنب والعار، وحساسية شديدة وفرط الاستثارة. فيلجا الي الصمت والكتمان وعدم القدرة على البوح بما حدث له. ولا ننسي ان الكبت عامل رئيسي للاضطرابات النفسية والسلوكية، التي تصيب المعتدي عليه والتي قد تعيق حياته المستقبلية.
هل يمكن للتحرش المتكرران يسبب اضطرابات نفسية طويلة الامد؟
نعم بكل تأكيد… فالتحرش الجنسي في الطفولة لا يذهب بسهولة بل يترك أثرا صامتا يظهر في ادق تفاصيل الحياة القادمةقبل الزواج وبعده فبعد الزواج فله أثر أيضا على الرجال والنساء، وذلك نتيجة للخوف الزائد على أبنائهم والقلق والخوف عليهم وتعرضهم لنفس التجربة المؤلمة، مما يفقدهم حسن التعامل مع أبنائهم، إضافة الي النفور من العلاقة الجنسية ورهاب الجماع، والميول الجنسية غير الطبيعية، والبرود الجنسي والانحرافات الجنسية.
كيف يؤثر التحرش الجنسي على إحساس الفتاة بالأمان وثقتها بنفسها وبالفضاء العام؟
ان تعرض الفتاة للتحرش يعرضها لان تتحمل الجانب الأكبر في هذا الجانب، وهنا يجب على الفتاة ان تتخذ عدة خطوات لتفادي هذه المشكلة هي توعيتها بشكل جيد، ومعرفتها الجيدة وعدم التنازل عن حقوقها كما يجب عليها ان تتخلص من الاعتقاد السائد بأن الصمت هو الحل الأنسب والاسهل،وتجنب الأماكن النائية التي يسهل فيها الانفراد والاعتداء على الضحية، وكذلك الأماكن المزدحمة التي يمكن فيها المعتدي من الافلات بعد وقوع التحرش. إن الشعور بعدم الأمان عند الفتيات اللاتي تعرضن للتحرش يجعلها عرضة للقلق والتوتر وتعيش تمزقا نفسيا واضطرابا داخليا، وتنطوي على نفسها وتعيش في اللامبالاة، ويتحول هذا التحرش إلى تأنيب ضمير، ومعرضة للملاحقة الاسرية والمجتمعية والأخلاقية وتدخل دائرة الشك، وهذا يقودها الي اختلال الثقة بالنفس وبالمجتمع.

في طابور الزحام
جسد المرأة ليس مساحة مستباحة
ما الثمن النفسي للصمت المفروض اجتماعيا حفاظا على السمعة؟
للصمت ثمن باهظ في مثل هذه الحالات، فيظهر في شكل مشاكل واضطرابات نفسية وسلوكية على المعتدي عليه، تعيقه عن أداء مهامه وتشكل له صعوبات في التواصل الاجتماعي والمهني، إن من أكبر العوائق التي تعيق أداء مهامنا كمعالجين نفسيين هو الخوف من (الوصمة) للمترددين على المصحات النفسية. متناسيين أن علاج هذه المشاكل والكشف عنها مبكرا أسهل بكثير من تفاقم الحالة وتدهورها واطالة مدة علاجها.
لماذا تكون الصدمة أشد حين يصدر التحرش من شخص معروف او مقرب؟
إن الشعور بالخيانة من أكثر المشاعر أثرا في نفس الانسان، فبعد أن كان المعتدي مصدر الأمان والطمأنينة، أصبح مصدر الخطر الحقيقي، فالوقائع تثبت أن هناك حالات تحرش حصلت من أقرب الأقارب الذين كنا نظن أنهم تقاة كالعم والخال والخالة والعمة، أو أبنائهم، او المعلمين او المحفظين. بينت إحدى الدراسات ان 80% من حالات التحرش بشكل عام حدثت من أقارب المعتدي عليه. إن التحرش الذي يأتي من الأقارب هو الأخطر على الاطلاق لأنه كل يوم يري المتحرش به ولا يستطيع البوح بما حدث، فهم مجرمون في ثوب العائلة.
كيف تتحول تجربة التحرش غير المعالجة الي قلق مزمن او اكتئاب؟
من أساسيات تربية الأبناء هو بناء شخصيتهم بشكل صحيح، زرع الثقة في أنفسهم، وتعليمهم أن يخبروا أباءهم ومعلميهم بأي اعتداء عليهم، وإن الخطر الحقيقي يبدأ عند عدم التبليغ المعتدي عليه أهله او معلميه على الاعتداء مهما كان نوعه، فالكبت هنا المصدر الأول للاضطرابات السلوكية والامرا ض النفسية، إن سياسة الاحتواء وفهم مشاعر المعتدي عليه، وتقبله وعدم لومه وعرضه على المعالج النفسي في الوقت المناسب يخفف عليه او يجنبه الوقوع في دائرة الصراعات النفسية المهلكة. وفي هذا الصدد قامت
اليس (1981) بدراسة شملت 27 فتاة تعرضت للتحرش انهن كانوا أكثر اكتئابا وارهاقا وخوفا بشكل ملحوظ، ومتعة اقل في الأنشطة اليومية.
هل التعافي من أثار التحرش ممكن؟ وما شروطه النفسية؟
ممكن جدا…هناك عدة خطوات لكي يتم التعافي نفسيا منها: ان يحدد ما حدث بدقة. ولا نقلل من شأن ما حدث، ولا نخلق اعذار للمعتدي. أيضا ان يتعاطف مع نفسه ويتقبلها.والاهم هنا ان لا يكتم الألم والغضب الذي يشعر به وإيجاد طرق صحيحة للتعبير عن هذه المشاعر. وأن يصدق مشاعره وذكرياته حتى وأن أنكرها الاخرون، والتعبير عما حدث دون خجل أو خوف، من هنا تبدأ استعادة السيطرة على مشاعره، يمكن ان يقول ما بخاطره هو مطمئن ويثق في نفسه وجسده الممزق. حينها يستطيع تقبل ذاته، ويعود كما كان قبل الحادثة. شيء أخر مهم هو عدم محاولة التهرب ونسيان ما حدث، بل يستحضرها ويتذكرها ويعرف المشاعر التي صاحبتها. يبدأ التعافي الحقيقي عندما يقف عن لوم نفسه وجلد ذاته.
ختاما
ورغم قتامة المشهد، تبقى المواجهة ممكنة، لكنها تبدأ بالاعتراف بأن المشكلة موجودة، وبأن التحرش جريمة لا تبرير لها، وبأن الضحية ليست موضع شك. قوانين واضحة تُطبَّق دون تهاون، ودعم نفسي واجتماعي حقيقي وآمن للفتيات المتضررات، وخطاب إعلامي مسؤول لا يهوّل ولا يبرّر، بل يكشف ويحمي، جميعها أدوات أساسية لكسر دائرة الصمت. كما أن التربية الواعية، التي تُعلّم الاحترام والمسؤولية منذ الصغر، تمثّل خط الدفاع الأول ضد هذه الجريمة.
تقرير : فائزة العجيلي
Share this content: