حكاية الأدب الليبي مع الحرب

يعتبر الفقهي أن ما بعد الثورة شكل اختبارا للنخب، حيث أصبح البقاء أولوية بدل الحرية، والشعر اكتفى بتوصيف اللحظة بينما السرد حاول فهم فشل الديمقراطية، مع أعمال مثل (علاقة حرجة) و(أراك في كل مكان) وغيرها، التي ترصد أثر الحرب على الفرد والذاكرة والهوية.

يشدد الفنادي على أن الأدب الواقعي يوثق حياة الناس ويترسخ كذاكرة جماعية، مع أعمال مثل (ثورة فبراير في الأدب الليبي) و(صندوق الرمل) وغيرها، مشيرا إلى أن الخوف يحد من الكتابة التفصيلية، لكن الأدب يبقى أداة لمداواة الذاكرة وحفظها للأجيال.
بين الصمت والبوح :
منذ 2011، بات الأدب الليبي يواجه سؤال الحرب بشكل مباشر أو ضمني، محاولا البحث عن موطئ قدم في أرض مزقتها سنوات الصراع والتناحر المسلّح.
ففي الواقع الملتهب الذي نعيشه، يقف الأدب شاهدا على ما عاشه المواطن الليبي من ألم ودمار وخراب، ومن جهة أخرى يشكل مساحة للبحث عن فهم للحالة وأمل في الخلاص والنجاة.
في هذا التحقيق، نحاول قراءة الحرب من منظور الأدب الليبي من خلال كتّاب يمثلون أجيالا وتجارب مختلفة، لنرى كيف يتعامل الأدب مع الحرب، توثيقها، ومداواة آثارها على الذاكرة الجماعية.
يرى الكاتب الصحفي ‘‘عبدالسلام الفقهي’’ أن المرحلة التي أعقبت الثورة وما قبلها بقليل شكّلت اختبارًا للنخب المثقفة: «كل ذلك جعل من الاستقرار بعيد المنال وخلق حالة من القلق على كل شيء، وتضاءلت الأماني حتى أضحى مطلب البقاء على قيد الحياة ليس بديلا للحرية بل بديلا للقمة العيش». ويشير الفقهي إلى أن الأسئلة عن جدوى الكتابة وفعاليتها ظلت معلقة، بينما اكتفى الشعر بتوصيف اللحظة، وتولى السرد لاحقا تقديم إجابات عن فشل تحقيق كيان ديمقراطي قائم على العدالة والحرية.
ويقدم الفقهي شواهد لأدب ما بعد الحرب، مثل رواية (علاقة حرجة) لعائشة الأصفر التي تتناول عشر سنوات من تجربة مدينة سرت بعد 2011، من خلال جسد الشخصية المحورية «جبر» وصدى ذكريات الدكتور سميرة موسى. يتساءل جبر: «لماذا في مدينتي القتل والوشاية والتآمر؟»، وهو استفسار ينسحب على زوجته وأخوته وجيرانه، في مدينة امتدت فيها أذرع التطرف بشكل مروع. أما الكاتب الشاب محمد التليسي في روايته أراك في كل مكان، فيرصد أسئلة الشباب الذين هاجروا بحثا عن حياة جديدة في أوروبا، متسائلا عن معنى النجاح والفشل بعد أحداث 2011: «هل أفلح خالد ومن معه في تحقيق ما خرجوا لأجله؟ وإذا نجحوا، لمَ أنا هنا وبهذه الحالة؟ وإذا لم ينجحوا، ما حقيقة هذا النصر الذي شهده العالم بأكمله.. هذا ما لم أجد له تفسيرا حتى الآن؟». ويضيء الفقهي على ما عرضه محمد الأصفر في روايتيه (تمر وقعمول) و(علبة السعادة) التي تتبع آثار الحرب على ذاكرة المكان والهوية، متشابكة مع التجارب الفردية، من صراع البطل مع جدوره إلى مواجهته للحروب الإقليمية وتجربته الشخصية مع السلام والفن في مواجهة الصراع.

حيث يرى الفقهي، من خلال ما تقدم، أن الأدب الليبي بعد 2011 أصبح وسيلة لفهم آثار الحرب على الفرد والمجتمع، إذ يعكس الواقع الاجتماعي والسياسي ويجسد التوتر والخوف والقلق الشخصي، ويتتبع تأثير الصراع على الذاكرة والهوية، ليصبح بذلك مرآة للحرب وتجلياتها النفسية والاجتماعية وجسرا لفهم التجربة الإنسانية في زمن النزاع.
ويؤكد الكاتب والنقاد ‘‘شعبان يونس الفنادي’’ بالقول: «لا شك أن الأدب يمثل شهادة على الزمان والمكان، وهو ما يُعرف بالأدب الواقعي الذي يسجل ويوثق وينقل معايشات الناس والتحديات التي تواجههم». ويشير الفنادي إلى أن «الأدب الليبي ساهم في توثيق الحروب عبر نصوص إبداعية مثل كتابه (ثورة فبراير في الأدب الليبي: قصص عزة كامل المقهور نموذجا) والمجموعة القصصية (العالم ذبابة حطت على أنفها) للدكتورة رحاب شنيب، ورواية (صندوق الرمل) للأديبة عائشة إبراهيم، و(فشلوم: القصة الكاملة عن الثورة) للشاعر خالد درويش، وديوان (ربيع فبراير) للشاعر راشد الزبير السنوسي، و(قصائد من وحي ثورة الحق والتكبير) للشاعر الدكتور الراحل عبدالمولى البغدادي وغيرها. وبالنسبة إليه، هذه الأعمال ترسّخ ذاكرة جماعية لا تسقط بالتقادم.
ويضيف: «أما عن أسباب تجنب الكاتب الخوض في تفاصيل الحرب فهي متعددة، ولعل أبرزها الخوف من تسجيل موقف انحيازي قد يعرضه للتهديد أو الإقصاء».
حول ظهور أدب ما بعد الحرب، يرى الفنادي أن «معظم الكتابات الحالية تتفق على إنكار الحروب رغم وجود بعض كتابات التحريض على العنف والكراهية»، مضيفا أن الأدب يبقى أداة مهمة لمداواة الذاكرة الجماعية: «الأدب، بجميع أجناسه، هو شاهد على الأحداث، ودوره توثيقها للتاريخ وحفظها في الذاكرة الجماعية للوطن للأجيال القادمة، وربما ذلك يحمل بعض المداواة للنفوس المحطمة».
أما الكاتب والشاعر ‘‘حسام الوحيشي’’، فيصف الأدب الليبي قائلا: «الأدب حاول أن يكتب الحرب، لكنه لم يجرؤ بعد على فتح جثتها بالكامل. يتجنّب الكاتب التفاصيل لأن الحرب في ليبيا ليست حدثا انتهى، بل سلطة ما زالت فوق رأسه». ويرى الوحيشي أن الأدب ما بعد الحرب هشّ، أقرب إلى الارتعاش منه إلى التيقّن، وأن بعض الكتاب يكتبون مواجهة حقيقية، فيما يهرب آخرون إلى الحنين أو الفانتازيا لتخفيف وطأة الواقع. ويضيف: «الأدب هو الأداة الوحيدة تقريبا التي تستطيع أن تفعل ما عجزت عنه الدولة والقانون والمصالحة: أن تعيد للناس صوتهم، وتمنح وجوه المفقودين حقهم في الظهور خارج تقارير المنظمات».

يصف الوحيشي الأدب ما بعد الحرب بالهشّ بين مواجهة الواقع والهروب للفانتازيا، معتبرا أن الأدب يعيد صوت الناس ويكشف المفقودين، ويؤكد أن الشفاء يبدأ برؤية الألم كما هو، فالأدب ينهض بالوعي لا بالبلدان.
أما الشاعر ‘‘أسامة الناجح’’ فيشير إلى أن التجربة الأدبية لمداواة الجراح الجماعية لا تزال محدودة، ويرجع ذلك إلى الخوف من الاعتقال أو الملاحقة المسلحة واضطراب حرية الكتابة. ويقول: «الحقيقة هي أن الكتابة الحالية محتشمة بين إنكار وسرد، والمعالجة الفعلية قليلة، نظرا لقيود حرية الكاتب».

يشير الناجح إلى محدودية الأدب في مداواة الجراح الجماعية بسبب الخوف وانعدام حرية الكتابة، حيث الكتابة الحالية محتشمة بين الإنكار والسرد وقليلة المعالجة الفعلية.
فيما يؤكد القاص ‘‘مروان جبودة’’ أن «الخطوط الحمراء كثيرة جدا، والكاتب الليبي يكتب وبداخله رقيب ذاتي يمسك المقص طول الوقت»، مضيفا أن الأدب بعد 2011 ارتبط بالتوثيق دون معالجة، وأن الذاكرة الشعبية تُغذّى على القصص والحكايات والشعر كخطوة أولى لفهم المجتمع.
أما الكاتب ‘‘عبدالله موني’’ فيرى أن الأدب الليبي لم ينجح بعد في توثيق الحرب كما يجب، ليس بسبب ضعف الكاتب، بل لتعقيد وتلبس تفاصيل الحرب نفسها. ويقول: «بعض الكتاب يفضلون الالتفاف حول الجرح بدل النظر إليه مباشرة»، لكنه يشدد على أن الأدب قادر على المساهمة في شفاء الذاكرة الجماعية من خلال الشعر الذي يمسك بالمشاعر، والرواية التي تتعمق في التجارب الفردية، والقصة القصيرة التي تلتقط لحظات الفوضى العابرة.
فيما يتعلق بالتحديات، يتفق معظمهم على أن الخوف، الرقابة الذاتية، ضعف المؤسسات، وانعدام الأمن تمثل أبرز العقبات التي تواجه الكاتب الليبي اليوم. ومن جهة المسؤولية الأخلاقية، يؤكد الفنادي والوحيشي وموني أن «الكاتب هو شاهد عصره، وواجبه حماية الحقيقة ومنح الضحايا مساحة للعدالة الرمزية».

يقول موني إن صعوبة توثيق الحرب تعود لتعقيدها، وأن بعض الكتاب يتجنبون مواجهة الجرح مباشرة، لكنه يؤكد قدرة الأدب على شفاء الذاكرة الجماعية عبر الشعر والرواية والقصة القصيرة.
وأخيرا، يرى جميعهم أن الأدب يتحوّل إلى مساحة للشفاء الفردي والجمعي حين يمنح القارئ الكاتب فرصة لاستعادة صوته وفهم ألمه، وإعادة قراءة الحرب بعيدا عن الخطاب السياسي أو الأيديولوجي. يؤكد الوحيشي ذلك بقوله: «الشفاء يبدأ حين نرى الألم كما هو، بلا تجميل، بلا لغة خشبية، بلا نبرة بطولية. الأدب لا ينهض بالبلدان، لكنه ينهض بالوعي. والوعي وحده هو ما يصنع الخلاص».
يبقى الأدب الليبي شاهدا على الحرب، ومسجّلا لتجارب المجتمع وتحدياته، ومسعى دائما لحفظ الذاكرة الجماعية. ورغم القيود والخوف يواصل الكتّاب نقل الأحداث والتأثيرات الإنسانية للنزاعات، وتقديم مساحة للمجتمع ليواجه جروحه ويعالجها، محاولين بذلك الحفاظ على الحقيقة وتوثيقها للأجيال القادمة، في بلد لا تزال الحروب تشتعل فيه.
Share this content: