اللاعب الدولي والمؤرخ “جلال شاهين” :
كنت أول عربي ومسلم ينال لقب صديق الاتحاد الدولي للشطرنج
أجبرت الاتحاد العربي على الاعتراف بدور المؤسسين الليبيين في إبصاره النور
ولم أتلق دعماً من وزارة الرياضة واللجنة الأولمبية الليبية
حوار : مناف بن دلة
لا يعلم وجه اليقين متى أبصرت لعبة الشطرنج النور, لكنها وفدت قروناً بعد الميلاد إلى بلاد فارس من الهند .. وهناك اكتسبت أكثر صفاتها الراهنة ومسمياتها.. ساقت “الشاهنامة” في ذلك قصة أسطورية بطلها الوزير “بزرجمهر”, الذي لم يكتف بحل لغز “التشاتورانغا” التي انبثقت منها اللعبة, بل أضاف إليها تكتيكات ما تزال قائمة إلى يومنا الحاضر.. ومع مرّ الزمن تطور الشطرنج كثيراً .. دخل عليه التوقيت واللعب مع الكومبيوتر .. بيد أنه لم ينسلخ عن جلده الأصلي, فظلت الرقعة الميدان الوحيد والتفكير المنطقي هو السلاح الذي لا يكل.. والأهم من ذلك أنه لم يقطع وصلاً بحركة التأريخ الإنساني والدبلوماسية المتشعبة.. ولأن الشطرنج دورة تعيد نفسها في كل حين, باثة الحياة في أوصالها إذا اقتضت الضرورة, فإنها لا تنفك تقدم “بزرجمهراً” جديداً في كل مرة .. يضي ما احلولك من الطريق ويبسط ما تضرس من السبيل.
وفي مطلع سبيعينات القرن الماضي, كان الموعد مع فتى نشأ في عائلة شطرنجية بامتياز – فوالده الأستاذ “محمد شاهين” أحد مؤسسي اللعبة محلياً وعربياً وإفريقياً – تسلل عشق الرقعة والبيادق إلى فؤاده وهو يخطو خطواته الأولى, ومضى بذات الدرب حتى أضحى لاعباً دولياً له من البطولات الكثير ومن الصولات أكثر.

ولأن “جلال محمد شاهين” يدرك أن إنجازات الشطرنج تقفز من فوق الرقعة لتترسخ في ذاكرة التأريخ, فقد ولج ميداناً آخر وخاض معركة
التوثيق التي لا تقل أهمية عن الفوز في مباراة مصيرية, وأضحى مؤرخاً عالمياً يشار إليه بالبنان.
وفي هذا اللقاء, يستعرض اللاعب الدولي والمؤرخ “جلال شاهين” مسيرته الممتدة لأكثر من نصف قرن, متوقفًا عند محطات مهمة, مثل الأولمبياد المضاد الذي استضافته طرابلس وقتاله من أجل استعادة حق ليبيا التاريخي الرائد في الشطرنج العربي والإفريقي, كما يعرج على ما ناله من تكريم عالمي كبير, مقابل نكران محلي محيّر.
ويتطرق “شاهين” بالتفصيل إلى جهوده في التوثق التاريخي لمسيرة لعبة الملوك في ليبيا وإفريقيا والمنطقة العربية, ويوضح رؤيته لواقع الشطرنج الليبي ومستقبله.
بعد إنتاج فيلمين وثائقيين عن تأريخ الشطرنج العربي والإفريقي، هل آن الأوان لإصداركم كتابًا يكون مرجعًا تاريخيًا للعبة على الصعد المحلية والعربية والإفريقية ؟
الفكرة موجودة وأسعى بجد لتأليف كتاب في الشطرنج يكون مرجعًا للأجيال القادمة.
ومقتضى ذلك – برأيي – أن التوثيق صنو للحياة .. سواءً كان توثيقاً مكتوباً أو مرئياً, وهذا الأخير خضت غماره فيما مضى, وأنتجت
سلسلة من الأفلام الوثائقية لتأريخ تأسيس الشطرنج العربي بدمشق 1975، وتأريخ الشطرنج بالقارة الإفريقية بطرابلس 1976، وفيلم أحداث الأولمبياد المضاد للشطرنج العالمي بطرابلس 1976، والتي كانت في طيّ النسيان.
“بجهود ذاتية”
على ذكر التاريخ، لطالما أشرت إلى أن الأولمبياد العالمي المضاد للشطرنج الذي نظم في ليبيا سنة 1976 يعد علامة فارقة للعبة في المنطقة ..
إلامَ تعزو هذا الاعتبار، وهلا بسطتم بالإيضاح عن هذا الحدث؟
ربما لا يعرف كثيرون أن ليبيا كانت أول دولة عربية وإفريقية تنظم هذا الحدث العالمي “الأولمبياد المضاد للشطرنج”, وذلك في 24 أكتوبر 1976 بطرابلس, وشاركت فيه أكثر من 38 دولة، وسمي أولمبيادًا مضادًا اعتراضًا على إقامته في الكيان الصهيوني.
وكان صاحب الفكرة الوالد الأستاذ محمد شكري شاهين، الذي طرح المقترح على الدولة الليبية، فوافقت على الفور, ويومها شنت بعض الدول
لأوروبية حملة إعلامية كبيرة ضد ليبيا تعاطفًا مع الكيان الصهيوني، لكن الحمد لله نجح الأولمبياد نجاحًا كبيرًا، ونقلته الوسائل الدولية.
منحتم سنة 2024 لقب صديق الاتحاد الدولي للشطرنج .. ماذا يعني لكم هذا التكريم، وما تبعاته على نشاطاتكم في التأريخ للشطرنج والعمل على انتشاره ؟
طبعًا كانت سعادة كبيرة لا توصف لشخصي ولليبيا, خاصة وأنه كان هناك مرشحون لهذا اللقب في ذكرى التأسيس المئوية للاتحاد الدولي للشطرنج والتي تزامنت مع إقامة الأولمبياد العالمي للشطرنج بالمجر.. وقتئذ اجتمعت اللجنة التاريخية المكونة من 15 عضوًا ورئيس، وتم طرح اسمي والموافقة عليه من بين المرشحين للجوائز، وبعد ذلك اعتمدت الجمعية العمومية للاتحادات الدولية منحي لقب صديق الاتحاد الدولي. . ويعتبر جلال شاهين من ضمن 6 شخصيات شطرنجية في العالم متحصلة على هذا اللقب، وأول عربي ومسلم من بين الستة.
وجاء هذا التكريم عرفاناً لنشاطي التأريخي, بإنتاجي فيلماً حقيقياً عن تاريخ الشطرنج العربي، أشادت به الصحف الدولية والعربية، وعرض على قنوات رياضية، وكذلك تم نشر الفيلم والخبر على صفحات الاتحاد الدولي للشطرنج.
هل تعتقد أن الشطرنج كان قدرًا محتومًا لحياتك – كونك تنتمي لعائلة شطرنجية بامتياز ووالدك أحد مؤسسيها في ليبيا – أم تظن أنك كنت لتختار ذات المسيرة لو ولدت بعيدًا عن هذه الرياضة الذهنية ؟
أظن أن الأقدار ساقتني سوقاً إلى الشطرنج, فأنا ولدت وترعرت في عائلة شطرنجية بامتياز لها بصمة تاريخية في انتشار اللعبة بليبيا والوطن العربي وقارة إفريقيا.. عمادها والدي “محمد شاهين” الذي يعد أحد مؤسسي الشطرنج بليبيا .. وعن طريقه وأخواتي أحببت هذه اللعبة.
وربما لو لم أكن من الأسرة الشطرنجية لكان اختياري رياضة السباحة، الحبيبة إلى قلبي، والتي كنت أمارسها رفقة إخوتي ونشارك في عدة مسابقات داخل ليبيا.
” زامر الحي لا يطرب” .. أتعتقد أن هذا القول ينطبق على ما يعتبره البعض مجافاة لإنجازاتك من قبل المؤسسات الرياضية المحلية والإعلام الليبي، مقابل الاحتفاء العالمي، خاصة وأنكم وجهتم فيما مضى عتابًا للجنة الأولمبية الليبية لما اعتبرتموه تجاهلًا لمسيرتكم؟
طبعًا، كلاعب ليبي دولي، ومن أقدم الناشئين الذين لعبوا الشطرنج عربيًا وإفريقيًا منذ الرابعة والنصف من عمري عام 1972، قبل تأسيس الاتحادات العربية والإفريقية والاتحاد الليبي، لم ألقَ أي دعم مادي أو معنوي من قبل اللجنة الأولمبية أو وزارة الرياضة أو رجال الأعمال أو الشركات في مشاركتي الخارجية بالمملكة المتحدة.
مسيرتي نتاج مجهود ذاتي صرف ودعم معنوي من المتابعين والأصدقاء من كل رحاب ليبيا.
وما حدث معي يؤكد أن الناجح محارب عندنا.
تظل تنافح عن الحضور الليبي الوازن في المشهد التأسيسي للشطرنج عربيًا وإفريقيًا ممثلًا في رواد يتقدمهم والدكم .. هل تعتقد أن هذه الجهود قد هُضمت ونسبت إلى غير
أهلها؟ وإن كان الأمر كذلك، فما المناط بالإعلام الليبي لرد الاعتبار لهؤلاء الرواد؟
طبعًا، الكل سمع في ليبيا أو خارجها بالسرقة التي تمت في وضح النهار، بتغيير أسماء المؤسسين لرياضة الشطرنج بالاتحاد العربي، حيث كانت ليبيا من ضمن المؤسسين، وكان ثاني رئيس للاتحاد العربي للشطرنج والدي الأستاذ “محمد شاهين” – من بداية 1976 إلى غاية تقريبًا 1979 - بعد الرئيس الأول المرحوم “ناهض الخاني”.
قمت بالتصدي لهم، ونجحت جهودي في إجبار الاتحاد العربي على تصحيح الأسماء وكتابة أسماء المؤسسين والاعتذار، وكان هذا أول انتصار لليبيا، واستعادة حقها كدولة رائدة الشطرنج العربي والإفريقي.
والحمد لله نجحت في ذلك بجهد ذاتي صرف, ودون دعم من وزارة الرياضة أو اللجنة الأولمبية الليبية – وإنتاجي فيلماً حول تاريخ الشطرنج العربي تم بتمويل ذاتي وعلى حسابي الشخصي.
بعد إنتاج سلسلة من الأفلام الوثائقية عن تاريخ الشطرنج
ومسيرتي في توثيق وأرشفة تاريخ الشطرنج العربي تهدف لعدم إضاعة حق ليبيا،
وصفتكم وسائل إعلام عربية وعالمية بسفير الشطرنج الليبي إلى العالمية، في دلالة على عظيم مسيرتكم .. لكن إن عاد بكم الزمن للوراء .. أكنتم ترغبون في تغيير محطات من هذه المسيرة؟

بصدق وأمانة، الصحف العالمية والعربية والإعلاميون ينظرون إليّ أكثر من لاعب ومؤرخ شطرنج، بل شخصية رياضية تجاوزت نصف قرن من الخبرة والاحتراف والثقافة والعلم، لذلك منحت عدة تكريمات عالمية وقارية وعربية من خلال السعي إلى التعريف بهذه اللعبة، ودور ليبيا ومكانتها الدولية.
وحاليًا توقفت عن المشاركات لعدم الاهتمام من دولة ليبيا، مقابل محدودية الإمكانات المادية لي ولأسرتي.. لكنني راضٍ عما قدمته للشطرنج الليبي لاعباً, واتجهت حاليًا إلى التاريخ، وبفضل الله أصبحت من أشهر المؤرخين العرب والأفارقة لهذه اللعبة.
هل يمكن أن تصبح الشطرنج لعبة شعبية ؟
بل هي لعبة شعبية الآن ومن الأكثر انتشاراً على ظهر البسيطة,. ورغم ارتباطها التاريخي بلقب “لعبة الملوك”، إلا أنها تحولت إلى لعبة جماهيرية يمارسها الملايين من مختلف الفئات والأعمار.
وحتى في ليبيا تطرد انتشاراً ولها رواد ولاعبون كثر ومتابعون ومهتمون، كما انتشرت مسابقات محلية داخل ليبيا، وكذلك لدينا شريحة تمارس الشطرنج في المقاهي، وإقامة عدة بطولات مدرسية للعبة الشطرنج لها مكانة كبيرة داخل المجتمع.
وعلى ذكر الشطرنج الليبي، لماذا برأيكم لم يتحصل أي لاعب ليبي على لقب أستاذ كبير حتى الآن؟ وهل يمكن حدوث ذلك مستقبلًا ؟
لدينا لاعبون متميزون وأقوياء، حصدوا بطولات خارجية، لكن الاتحاد الليبي للشطرنج أدخل اللعبة في نفق مظلم منذ عام 2014 تقريبًا، ولا توجد خطة تطوير أو استراتيجية لبناء اللعبة والاهتمام بها.. ولذلك يهوي الشطرنج كل يوم نحو الأسوأ، ولا تلوح في الأفق أية خطط مستقبلية.
سؤال أخير، هل يمكن أن تخبرنا بأي الإنجازات التي حصدت أقرب إلى قلبكم؟
حصولي على لقب بطل ليبيا للكبار عام 1987، وكذلك مرتين وصيف بطل ليبيا للكبار، وبطل ليبيا للشباب لعدة سنوات، وكذلك وصيف بطل العرب للشباب بقطر عام 1985، وعدة تكريمات وألقاب دولية وعربية في مجال التاريخ والتوثيق.
أما الأفضل فهو اللقب الذي تحصلت عليه العام الماضي من الصحف الدولية، حيث وصفت جلال شاهين الليبي بأنه من ضمن أفضل الشخصيات الرياضية المرموقة عالميًا لعام 2025.
Share this content: