الشعر والأدب قاداني إلى الصحافة الثقافية
خيري جبـودة
والصحافة أوصلتني إلى التدريس الجامعي والبحث
ليس هذا الحوار مع ‘‘خيري جبودة’’ استعادة لمسار إبداعي متعدّد فحسب، بل تفكيكا هادئا لوعي تشكّل عند تقاطع الشعر واللغة والذاكرة، وفي تماس مباشر مع أسئلة الوجود والثقافة في زمن مضطرب. فمن قصيدته ‘‘حين أتذكر’’، حيث تتحوّل الذاكرة الشخصية إلى مرآة لجرح جمعي، يقدّم جبودة تصوّرا للشعر بوصفه فنًّا اختزاليا قادرا على حفظ الذاكرة الوطنية وإعادة تأويلها، عبر الرؤية وتعدّد الأصوات وثراء التأويل الذي يمنح الوطن معناه المتجدّد.
ويمتدّ الحوار إلى جوهر تجربته الصوفية والفكرية، كما في نص ‘‘هل كذب المتصوفة؟’’، حيث تتجاور ثنائيات الروح والمادة، والمثال والواقع، تعبيرا عن قلق إنساني عميق يلازم رحلة الفرد والجماعة في البحث عن معنى الحياة والسلام الداخلي.
وفي قراءته لمشهد الإعلام الليبي، يقدّم جبودة تشخيصا نقديا لواقع ثقافي مأزوم، أفرزته هشاشة البنى المؤسسية وتداعيات الحروب، مقابل إيمان مشروط بإمكانات الفضاء الرقمي في استعادة دور الثقافة كقوة ناعمة، متى أُحسن استثماره ضمن رؤية واعية.
ولا ينفصل هذا الوعي عن تجربته العربية الأوسع، ولا سيما في مصر، حيث شكّل الاحتكاك ببيئة ثقافية مؤسسية وخصبة حافزا للإبداع، وعمّق إدراكه لدور المثقف الليبي داخل الفضاء العربي بوصفه فاعلا في أسئلة النهضة والتنوير، لا شاهدا معزولا عنها.
هكذا يكشف هذا الحوار عن مثقّف تتداخل لديه أدوار الشاعر والصحفي والأكاديمي في نسيج واحد، عبر تحوّلات مهنية متعاقبة انصهرت في مسار ثقافي موحّد، يرى في الكلمة فعل معرفة ومقاومة رمزية، وفي الكتابة ضرورة وجودية وليس ترفًا جماليا.
وهذا نص الحوار:
الليبية: في قصيدتك «حين أتذكر» توثّق الذاكرة الشخصية بلغة رصينة، وفي الوقت ذاته تنفتح على جرح جمعي لجيل. اليوم، كيف ترى وظيفة الشعر في حفظ الذاكرة الوطنية وتوثيقها وإعادة تأويلها؟
خيري جبودة: في مختلف التجارب العالمية يحظى الشعر بمكانة متفرّدة في التعبير عن الرؤى الوجودية للأفراد، وربما يعود ذلك إلى الطاقة الاختزالية التي تتوفّر في الشعر، وتجعله بالنسبة إلى ذائقتي الأقرب إلى الفن الخالص أو المجرّد، كالموسيقى. من خلال تجربتي الشخصية في الارتحال داخل هذا السديم الحلمي المسمّى شعر، مررت بمحطات مميّزة بالنسبة لي، كان من بينها هذا النص العزيز «حين أتذكر»، وشعرت بعد أن أكملته أنه استطاع تصوير جوانب مهمّة من بانوراما أو مشهد الحياة في وطننا خلال مرحلة الطفولة. بالتأكيد يا صديقي، للشعر دور رئيسي في حفظ الذاكرة الوطنية وتوثيقها، واختلاف التجارب وزوايا النظر يعطي ثراءً في تأويل وصياغة معاني هذا البيت الكبير الذي اسمه وطن.
الليبية: في نصك الصوفي «هل كذب المتصوفة؟» نقرأ صراعا بين الروح والمادة، وبين العدم والامتلاء. هل تعتبر هذه الثنائيات انعكاساً لتجربة ذاتية روحية عشتها، أم هو بحث فكري عن معنى الوجود؟
خيري جبودة: أعتقد أن بإمكاننا القراءة من خلال أبواب مختلفة، منها هذان البابان، باعتبار النص تجربة روحية، وأيضا بحثا فكريا جماليا يتأمل صراع الإنسان بين المثال والواقع، وشاهدا على مرحلة عمرية يقترب فيها الإنسان أكثر من تفهّم كنه هذا الكائن العجيب والمذهل الذي اسمه الإنسان، والذي يعيش جدلية بين الواقع والمثال، وفي بحث مستمر لإيجاد معادلة تضمن له الحياة بسلام. وهي رحلة طويلة وشاقة عبرت فيها البشرية عديد المراحل في رحلة صعودها نحو عالم أفضل.
الليبية: بصفتك شاعرا وأكاديميا، كيف تُقيّم علاقة الإعلام الليبي بالثقافة اليوم؟ وهل ما يزال الإعلام الثقافي قادرا على أن يمنح مساحة حقيقية للشعر الجاد في زمن تتراجع فيه الذائقة ويعلو فيه صخب الترفيه؟
خيري جبودة: بداية، من خلال تأملنا لمشهد الإعلام الليبي سنرى أنه مشهد متشظ؛ فسقوط هيكل الدولة، وضعف مؤسسات المجتمع الأهلي، وسيرورة الحروب التي مرّت بها البلاد، انعكست على كل مناحي الحياة، ومن بينها الإعلام. كما نستطيع الاقتراب أكثر من هذا المشهد بالقول إن الإعلام الثقافي هو جزء من حزمة الإشعاع للإعلام الوطني، وهو الإعلام الذي يتناول الثقافة في مختلف تجلياتها. حالة التشظي جعلته خطابا باهتا لا يستطيع التعبير عن البانوراما الخصبة التي تموج داخل الحياة الثقافية الليبية. الإعلام الرقمي استطاع إيجاد منفذ بديل لهذه الوظائف الإعلامية، لكنه أيضا يعاني من غلبة الخطابات السلبية. لكن في ظل الطغيان الكبير للمنصات الرقمية وعالم الشبكات الاجتماعية على حساب الإعلام التقليدي، فإن هذا العالم الرقمي يحمل آفاقا واعدة لخلق بديل قوي لإعلام وطني يولي للثقافة الأهمية التي تستحقها، باعتبارها القوة الناعمة لأي أمة أو شعب. ويظهر الإبداع في مختلف صنوف الأدب والفن، وهذا مرهون برؤية تستطيع استيعاب خصائص هذا المجال الجديد، ووضع مراكب إعلام وطني ثقافي قوي للإبحار بكفاءة عبر الأمواج المتلاطمة لهذا العالم الرقمي الجديد.

النص تجربة روحية، وأيضا بحثا فكريا جماليا يتأمل صراع الإنسان بين المثال والواقع، وفي بحث مستمر لإيجاد معادلة تضمن له الحياة بسلام.
الليبية: درست في مصر وكان لديك احتكاك بقامات أدبية عربية مرموقة، كيف أثّرت تلك البيئة في وعيك بدور المثقف الليبي داخل الفضاء العربي؟
خيري جبودة: هذا سؤال مهم. الفضاء الثقافي المصري حالة عربية ملهمة، وذلك لما تتميّز به مصر من مكانة رائدة في الثقافة العربية، حقّقت تراكما في العمل المؤسسي الثقافي. وأكبر تأثير أحدثته البيئة الثقافية المصرية عليّ يتمثل في أنها محفّز قوي للإبداع والعمل والأفكار والمشاريع، وذلك نتيجة حياتك وسط مجال خصب لا تتوقف فيه الإصدارات والفعاليات والمشاريع الثقافية؛ إنها بيئة خلاقة. إضافة إلى أن المعيشة في مصر تُظهِر لك التجربة المتميزة للدولة المصرية في دعم الثقافة عبر قصور الثقافة المنتشرة في مختلف المدن المصرية، والتي تُقدّم برامج ثقافية في مختلف أنواع الآداب والفنون والعلوم، وتستهدف مختلف الشرائح العمرية. إضافة إلى هيئات الكتاب التي تمد الشارع المصري بإصدارات متنوعة في مختلف أصناف الثقافة والأدب وبأسعار مُدعّمة. كما أن هناك جانبا أساسيا ملهما في التجربة الثقافية المصرية، وهو جدل النهضة والتنوير عبر الإنتاج الفكري للمثقفين المصريين حول أسئلة الدولة والحداثة والعلاقة بالتراث والحضارة والفكر الغربي.
الليبية: تتكرر في نصوصك فكرة التوازن بين الجرح والجمال، بين الضوء والظل. ما الفلسفة التي تحكم نظرتك للحياة والكتابة وسط ما نعيشه اليوم من توتر على كافة الأصعدة؟
خيري جبودة: بالتأكيد، لكلّ منا فلسفة تحكم نظرته للعالم وللكتابة، وهي فلسفة ناتجة عن تفاعل التركيبة الشخصية للفرد مع بيئته وثقافته. لا أستطيع أن أقول إن هناك فلسفة مُعيّنة تحكم نظرتي للحياة والكتابة، ولكن بإمكاني القول إني إنسان متفائل أنظر إلى الجوانب الإيجابية في الحياة. وفي الكتابة أكتب لأنني أستمتع بالكتابة، وأقرأ لأن القراءة تستهويني، مثلما تستهويني مشاهدة الأعمال الفنية في المعارض أو الموسيقى الكلاسيكية ومختلف أشكال الموسيقى.
الليبية: كتبت ذات مرة إن «اللغة بيت الروح». كيف تعيش داخل هذا البيت اليوم؟ وهل لا تزال ترى في الكلمة خلاصا وملاذا، أم أنها تحوّلت إلى عبء من أسئلة لا تنتهي؟
خيري جبودة: كما تعرف يا صديقي، اللغة هي أهم مظهر من مظاهر الحياة الإنسانية، ونحن نعيش من خلال اللغة، اللغة بكل أشكالها. وهي الوسيلة التي استطعنا بها أن نحافظ على تراكم الخبرة البشرية، وأن نطوِّر ذواتنا، وأن نساهم في تحرير أرواحنا من مختلف الإكراهات عبر الانفتاح على مختلف التجارب البشرية التي تُقدّمها لنا اللغة. فانظر معي إلى روعة أن يتعلّم إنسان هذا القرن من نصوص حكمة ترجع إلى آلاف السنين من الحضارات الشرقية في الصين أو بلاد ما بين النهرين. كما أن حضارتنا العربية الإسلامية بُنيت على نص مقدّس لا تنضب أنواره، هو القرآن، كتاب الله؛ هذا الكتاب العظيم الذي ينير أرواحنا وعقولنا كل يوم، والذي يعلّم ويهدي وينير طريق ملايين البشر حول العالم.
أنا إنسان متفائل أنظر إلى الجوانب الإيجابية في الحياة وفي الكتابة أكتب لأنني أستمتع بالكتابة، وأقرأ لأن القراءة تستهويني، مثلما تستهويني مشاهدة الأعمال الفنية والموسيقى الكلاسيكية.
الليبية: بدأت رحلتك شاعرا، ثم خضت تجربة الصحافة قبل أن تستقر في الجامعة. كيف ترى هذه المسيرة؟
هل كانت تحولات طبيعية أم بحثا عن معنى جديد؟
خيري جبودة: أعتقد يا صديقي أنها جميعا من عائلة واحدة، هي عائلة الثقافة. وبالتأكيد، الشعر والأدب قاداني إلى الصحافة الثقافية، والصحافة أوصلتني إلى التدريس الجامعي والبحث. هي بالنسبة لي أغصان في شجرة واحدة.
الليبية: بعد هذا المشوار الطويل بين القصيدة، ثم الصحافة، ومن ثم المنبر الأكاديمي، أين تجد نفسك اليوم أكثر حضورا: الشاعر أم الصحفي أم الأستاذ الجامعي؟
خيري جبودة: أستطيع أن أقول إن الثلاثة معا حاضرون لدي، وهم في تفاعل دائم، ولا أستطيع أن أفصل أحدهم عن الآخر.
Share this content: