×

الشعر والأدب قاداني إلى الصحافة الثقافية

الشعر والأدب قاداني إلى الصحافة الثقافية

خيري‭ ‬جبـودة

‭ ‬والصحافة‭ ‬أوصلتني‭ ‬إلى‭ ‬التدريس‭ ‬الجامعي‭ ‬والبحث‭ ‬

ليس‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬مع‭ ‬‘‘خيري‭ ‬جبودة’’‭ ‬استعادة‭ ‬لمسار‭ ‬إبداعي‭ ‬متعدّد‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تفكيكا‭ ‬هادئا‭ ‬لوعي‭ ‬تشكّل‭ ‬عند‭ ‬تقاطع‭ ‬الشعر‭ ‬واللغة‭ ‬والذاكرة،‭ ‬وفي‭ ‬تماس‭ ‬مباشر‭ ‬مع‭ ‬أسئلة‭ ‬الوجود‭ ‬والثقافة‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬مضطرب‭. ‬فمن‭ ‬قصيدته‭ ‬‘‘حين‭ ‬أتذكر’’،‭ ‬حيث‭ ‬تتحوّل‭ ‬الذاكرة‭ ‬الشخصية‭ ‬إلى‭ ‬مرآة‭ ‬لجرح‭ ‬جمعي،‭ ‬يقدّم‭ ‬جبودة‭ ‬تصوّرا‭ ‬للشعر‭ ‬بوصفه‭ ‬فنًّا‭ ‬اختزاليا‭ ‬قادرا‭ ‬على‭ ‬حفظ‭ ‬الذاكرة‭ ‬الوطنية‭ ‬وإعادة‭ ‬تأويلها،‭ ‬عبر‭ ‬الرؤية‭ ‬وتعدّد‭ ‬الأصوات‭ ‬وثراء‭ ‬التأويل‭ ‬الذي‭ ‬يمنح‭ ‬الوطن‭ ‬معناه‭ ‬المتجدّد‭.‬

ويمتدّ‭ ‬الحوار‭ ‬إلى‭ ‬جوهر‭ ‬تجربته‭ ‬الصوفية‭ ‬والفكرية،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬نص‭ ‬‘‘هل‭ ‬كذب‭ ‬المتصوفة؟’’،‭ ‬حيث‭ ‬تتجاور‭ ‬ثنائيات‭ ‬الروح‭ ‬والمادة،‭ ‬والمثال‭ ‬والواقع،‭ ‬تعبيرا‭ ‬عن‭ ‬قلق‭ ‬إنساني‭ ‬عميق‭ ‬يلازم‭ ‬رحلة‭ ‬الفرد‭ ‬والجماعة‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬معنى‭ ‬الحياة‭ ‬والسلام‭ ‬الداخلي‭.‬

وفي‭ ‬قراءته‭ ‬لمشهد‭ ‬الإعلام‭ ‬الليبي،‭ ‬يقدّم‭ ‬جبودة‭ ‬تشخيصا‭ ‬نقديا‭ ‬لواقع‭ ‬ثقافي‭ ‬مأزوم،‭ ‬أفرزته‭ ‬هشاشة‭ ‬البنى‭ ‬المؤسسية‭ ‬وتداعيات‭ ‬الحروب،‭ ‬مقابل‭ ‬إيمان‭ ‬مشروط‭ ‬بإمكانات‭ ‬الفضاء‭ ‬الرقمي‭ ‬في‭ ‬استعادة‭ ‬دور‭ ‬الثقافة‭ ‬كقوة‭ ‬ناعمة،‭ ‬متى‭ ‬أُحسن‭ ‬استثماره‭ ‬ضمن‭ ‬رؤية‭ ‬واعية‭.‬

ولا‭ ‬ينفصل‭ ‬هذا‭ ‬الوعي‭ ‬عن‭ ‬تجربته‭ ‬العربية‭ ‬الأوسع،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬حيث‭ ‬شكّل‭ ‬الاحتكاك‭ ‬ببيئة‭ ‬ثقافية‭ ‬مؤسسية‭ ‬وخصبة‭ ‬حافزا‭ ‬للإبداع،‭ ‬وعمّق‭ ‬إدراكه‭ ‬لدور‭ ‬المثقف‭ ‬الليبي‭ ‬داخل‭ ‬الفضاء‭ ‬العربي‭ ‬بوصفه‭ ‬فاعلا‭ ‬في‭ ‬أسئلة‭ ‬النهضة‭ ‬والتنوير،‭ ‬لا‭ ‬شاهدا‭ ‬معزولا‭ ‬عنها‭.‬

هكذا‭ ‬يكشف‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬عن‭ ‬مثقّف‭ ‬تتداخل‭ ‬لديه‭ ‬أدوار‭ ‬الشاعر‭ ‬والصحفي‭ ‬والأكاديمي‭ ‬في‭ ‬نسيج‭ ‬واحد،‭ ‬عبر‭ ‬تحوّلات‭ ‬مهنية‭ ‬متعاقبة‭ ‬انصهرت‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬ثقافي‭ ‬موحّد،‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬الكلمة‭ ‬فعل‭ ‬معرفة‭ ‬ومقاومة‭ ‬رمزية،‭ ‬وفي‭ ‬الكتابة‭ ‬ضرورة‭ ‬وجودية‭ ‬وليس‭ ‬ترفًا‭ ‬جماليا‭.‬

وهذا‭ ‬نص‭ ‬الحوار‭: ‬

الليبية‭: ‬في‭ ‬قصيدتك‭ ‬‮«‬حين‭ ‬أتذكر‮»‬‭ ‬توثّق‭ ‬الذاكرة‭ ‬الشخصية‭ ‬بلغة‭ ‬رصينة،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬تنفتح‭ ‬على‭ ‬جرح‭ ‬جمعي‭ ‬لجيل‭. ‬اليوم،‭ ‬كيف‭ ‬ترى‭ ‬وظيفة‭ ‬الشعر‭ ‬في‭ ‬حفظ‭ ‬الذاكرة‭ ‬الوطنية‭ ‬وتوثيقها‭ ‬وإعادة‭ ‬تأويلها؟

خيري‭ ‬جبودة‭: ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬التجارب‭ ‬العالمية‭ ‬يحظى‭ ‬الشعر‭ ‬بمكانة‭ ‬متفرّدة‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬الرؤى‭ ‬الوجودية‭ ‬للأفراد،‭ ‬وربما‭ ‬يعود‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬الطاقة‭ ‬الاختزالية‭ ‬التي‭ ‬تتوفّر‭ ‬في‭ ‬الشعر،‭ ‬وتجعله‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬ذائقتي‭ ‬الأقرب‭ ‬إلى‭ ‬الفن‭ ‬الخالص‭ ‬أو‭ ‬المجرّد،‭ ‬كالموسيقى‭. ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تجربتي‭ ‬الشخصية‭ ‬في‭ ‬الارتحال‭ ‬داخل‭ ‬هذا‭ ‬السديم‭ ‬الحلمي‭ ‬المسمّى‭ ‬شعر،‭ ‬مررت‭ ‬بمحطات‭ ‬مميّزة‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي،‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬هذا‭ ‬النص‭ ‬العزيز‭ ‬‮«‬حين‭ ‬أتذكر‮»‬،‭ ‬وشعرت‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أكملته‭ ‬أنه‭ ‬استطاع‭ ‬تصوير‭ ‬جوانب‭ ‬مهمّة‭ ‬من‭ ‬بانوراما‭ ‬أو‭ ‬مشهد‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬وطننا‭ ‬خلال‭ ‬مرحلة‭ ‬الطفولة‭. ‬بالتأكيد‭ ‬يا‭ ‬صديقي،‭ ‬للشعر‭ ‬دور‭ ‬رئيسي‭ ‬في‭ ‬حفظ‭ ‬الذاكرة‭ ‬الوطنية‭ ‬وتوثيقها،‭ ‬واختلاف‭ ‬التجارب‭ ‬وزوايا‭ ‬النظر‭ ‬يعطي‭ ‬ثراءً‭ ‬في‭ ‬تأويل‭ ‬وصياغة‭ ‬معاني‭ ‬هذا‭ ‬البيت‭ ‬الكبير‭ ‬الذي‭ ‬اسمه‭ ‬وطن‭.‬

الليبية‭: ‬في‭ ‬نصك‭ ‬الصوفي‭ ‬‮«‬هل‭ ‬كذب‭ ‬المتصوفة؟‮»‬‭ ‬نقرأ‭ ‬صراعا‭ ‬بين‭ ‬الروح‭ ‬والمادة،‭ ‬وبين‭ ‬العدم‭ ‬والامتلاء‭. ‬هل‭ ‬تعتبر‭ ‬هذه‭ ‬الثنائيات‭ ‬انعكاساً‭ ‬لتجربة‭ ‬ذاتية‭ ‬روحية‭ ‬عشتها،‭ ‬أم‭ ‬هو‭ ‬بحث‭ ‬فكري‭ ‬عن‭ ‬معنى‭ ‬الوجود؟

خيري‭ ‬جبودة‭: ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬بإمكاننا‭ ‬القراءة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أبواب‭ ‬مختلفة،‭ ‬منها‭ ‬هذان‭ ‬البابان،‭ ‬باعتبار‭ ‬النص‭ ‬تجربة‭ ‬روحية،‭ ‬وأيضا‭ ‬بحثا‭ ‬فكريا‭ ‬جماليا‭ ‬يتأمل‭ ‬صراع‭ ‬الإنسان‭ ‬بين‭ ‬المثال‭ ‬والواقع،‭ ‬وشاهدا‭ ‬على‭ ‬مرحلة‭ ‬عمرية‭ ‬يقترب‭ ‬فيها‭ ‬الإنسان‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬تفهّم‭ ‬كنه‭ ‬هذا‭ ‬الكائن‭ ‬العجيب‭ ‬والمذهل‭ ‬الذي‭ ‬اسمه‭ ‬الإنسان،‭ ‬والذي‭ ‬يعيش‭ ‬جدلية‭ ‬بين‭ ‬الواقع‭ ‬والمثال،‭ ‬وفي‭ ‬بحث‭ ‬مستمر‭ ‬لإيجاد‭ ‬معادلة‭ ‬تضمن‭ ‬له‭ ‬الحياة‭ ‬بسلام‭. ‬وهي‭ ‬رحلة‭ ‬طويلة‭ ‬وشاقة‭ ‬عبرت‭ ‬فيها‭ ‬البشرية‭ ‬عديد‭ ‬المراحل‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬صعودها‭ ‬نحو‭ ‬عالم‭ ‬أفضل‭.‬

الليبية‭: ‬بصفتك‭ ‬شاعرا‭ ‬وأكاديميا،‭ ‬كيف‭ ‬تُقيّم‭ ‬علاقة‭ ‬الإعلام‭ ‬الليبي‭ ‬بالثقافة‭ ‬اليوم؟‭ ‬وهل‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬الإعلام‭ ‬الثقافي‭ ‬قادرا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يمنح‭ ‬مساحة‭ ‬حقيقية‭ ‬للشعر‭ ‬الجاد‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬تتراجع‭ ‬فيه‭ ‬الذائقة‭ ‬ويعلو‭ ‬فيه‭ ‬صخب‭ ‬الترفيه؟

خيري‭ ‬جبودة‭: ‬بداية،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تأملنا‭ ‬لمشهد‭ ‬الإعلام‭ ‬الليبي‭ ‬سنرى‭ ‬أنه‭ ‬مشهد‭ ‬متشظ؛‭ ‬فسقوط‭ ‬هيكل‭ ‬الدولة،‭ ‬وضعف‭ ‬مؤسسات‭ ‬المجتمع‭ ‬الأهلي،‭ ‬وسيرورة‭ ‬الحروب‭ ‬التي‭ ‬مرّت‭ ‬بها‭ ‬البلاد،‭ ‬انعكست‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬مناحي‭ ‬الحياة،‭ ‬ومن‭ ‬بينها‭ ‬الإعلام‭. ‬كما‭ ‬نستطيع‭ ‬الاقتراب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬بالقول‭ ‬إن‭ ‬الإعلام‭ ‬الثقافي‭ ‬هو‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬حزمة‭ ‬الإشعاع‭ ‬للإعلام‭ ‬الوطني،‭ ‬وهو‭ ‬الإعلام‭ ‬الذي‭ ‬يتناول‭ ‬الثقافة‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬تجلياتها‭. ‬حالة‭ ‬التشظي‭ ‬جعلته‭ ‬خطابا‭ ‬باهتا‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬البانوراما‭ ‬الخصبة‭ ‬التي‭ ‬تموج‭ ‬داخل‭ ‬الحياة‭ ‬الثقافية‭ ‬الليبية‭. ‬الإعلام‭ ‬الرقمي‭ ‬استطاع‭ ‬إيجاد‭ ‬منفذ‭ ‬بديل‭ ‬لهذه‭ ‬الوظائف‭ ‬الإعلامية،‭ ‬لكنه‭ ‬أيضا‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬غلبة‭ ‬الخطابات‭ ‬السلبية‭. ‬لكن‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الطغيان‭ ‬الكبير‭ ‬للمنصات‭ ‬الرقمية‭ ‬وعالم‭ ‬الشبكات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الإعلام‭ ‬التقليدي،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬الرقمي‭ ‬يحمل‭ ‬آفاقا‭ ‬واعدة‭ ‬لخلق‭ ‬بديل‭ ‬قوي‭ ‬لإعلام‭ ‬وطني‭ ‬يولي‭ ‬للثقافة‭ ‬الأهمية‭ ‬التي‭ ‬تستحقها،‭ ‬باعتبارها‭ ‬القوة‭ ‬الناعمة‭ ‬لأي‭ ‬أمة‭ ‬أو‭ ‬شعب‭. ‬ويظهر‭ ‬الإبداع‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬صنوف‭ ‬الأدب‭ ‬والفن،‭ ‬وهذا‭ ‬مرهون‭ ‬برؤية‭ ‬تستطيع‭ ‬استيعاب‭ ‬خصائص‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬الجديد،‭ ‬ووضع‭ ‬مراكب‭ ‬إعلام‭ ‬وطني‭ ‬ثقافي‭ ‬قوي‭ ‬للإبحار‭ ‬بكفاءة‭ ‬عبر‭ ‬الأمواج‭ ‬المتلاطمة‭ ‬لهذا‭ ‬العالم‭ ‬الرقمي‭ ‬الجديد‭.‬

النص‭ ‬تجربة‭ ‬روحية،‭ ‬وأيضا‭ ‬بحثا‭ ‬فكريا‭ ‬جماليا‭ ‬يتأمل‭ ‬صراع‭ ‬الإنسان‭ ‬بين‭ ‬المثال‭ ‬والواقع،‭ ‬وفي‭ ‬بحث‭ ‬مستمر‭ ‬لإيجاد‭ ‬معادلة‭ ‬تضمن‭ ‬له‭ ‬الحياة‭ ‬بسلام‭.‬

الليبية‭: ‬درست‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬وكان‭ ‬لديك‭ ‬احتكاك‭ ‬بقامات‭ ‬أدبية‭ ‬عربية‭ ‬مرموقة،‭ ‬كيف‭ ‬أثّرت‭ ‬تلك‭ ‬البيئة‭ ‬في‭ ‬وعيك‭ ‬بدور‭ ‬المثقف‭ ‬الليبي‭ ‬داخل‭ ‬الفضاء‭ ‬العربي؟

خيري‭ ‬جبودة‭: ‬هذا‭ ‬سؤال‭ ‬مهم‭. ‬الفضاء‭ ‬الثقافي‭ ‬المصري‭ ‬حالة‭ ‬عربية‭ ‬ملهمة،‭ ‬وذلك‭ ‬لما‭ ‬تتميّز‭ ‬به‭ ‬مصر‭ ‬من‭ ‬مكانة‭ ‬رائدة‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية،‭ ‬حقّقت‭ ‬تراكما‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬المؤسسي‭ ‬الثقافي‭. ‬وأكبر‭ ‬تأثير‭ ‬أحدثته‭ ‬البيئة‭ ‬الثقافية‭ ‬المصرية‭ ‬عليّ‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬أنها‭ ‬محفّز‭ ‬قوي‭ ‬للإبداع‭ ‬والعمل‭ ‬والأفكار‭ ‬والمشاريع،‭ ‬وذلك‭ ‬نتيجة‭ ‬حياتك‭ ‬وسط‭ ‬مجال‭ ‬خصب‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬فيه‭ ‬الإصدارات‭ ‬والفعاليات‭ ‬والمشاريع‭ ‬الثقافية؛‭ ‬إنها‭ ‬بيئة‭ ‬خلاقة‭. ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المعيشة‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬تُظهِر‭ ‬لك‭ ‬التجربة‭ ‬المتميزة‭ ‬للدولة‭ ‬المصرية‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬الثقافة‭ ‬عبر‭ ‬قصور‭ ‬الثقافة‭ ‬المنتشرة‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المدن‭ ‬المصرية،‭ ‬والتي‭ ‬تُقدّم‭ ‬برامج‭ ‬ثقافية‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أنواع‭ ‬الآداب‭ ‬والفنون‭ ‬والعلوم،‭ ‬وتستهدف‭ ‬مختلف‭ ‬الشرائح‭ ‬العمرية‭. ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬هيئات‭ ‬الكتاب‭ ‬التي‭ ‬تمد‭ ‬الشارع‭ ‬المصري‭ ‬بإصدارات‭ ‬متنوعة‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أصناف‭ ‬الثقافة‭ ‬والأدب‭ ‬وبأسعار‭ ‬مُدعّمة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬جانبا‭ ‬أساسيا‭ ‬ملهما‭ ‬في‭ ‬التجربة‭ ‬الثقافية‭ ‬المصرية،‭ ‬وهو‭ ‬جدل‭ ‬النهضة‭ ‬والتنوير‭ ‬عبر‭ ‬الإنتاج‭ ‬الفكري‭ ‬للمثقفين‭ ‬المصريين‭ ‬حول‭ ‬أسئلة‭ ‬الدولة‭ ‬والحداثة‭ ‬والعلاقة‭ ‬بالتراث‭ ‬والحضارة‭ ‬والفكر‭ ‬الغربي‭.‬

الليبية‭: ‬تتكرر‭ ‬في‭ ‬نصوصك‭ ‬فكرة‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬الجرح‭ ‬والجمال،‭ ‬بين‭ ‬الضوء‭ ‬والظل‭. ‬ما‭ ‬الفلسفة‭ ‬التي‭ ‬تحكم‭ ‬نظرتك‭ ‬للحياة‭ ‬والكتابة‭ ‬وسط‭ ‬ما‭ ‬نعيشه‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬توتر‭ ‬على‭ ‬كافة‭ ‬الأصعدة؟

خيري‭ ‬جبودة‭: ‬بالتأكيد،‭ ‬لكلّ‭ ‬منا‭ ‬فلسفة‭ ‬تحكم‭ ‬نظرته‭ ‬للعالم‭ ‬وللكتابة،‭ ‬وهي‭ ‬فلسفة‭ ‬ناتجة‭ ‬عن‭ ‬تفاعل‭ ‬التركيبة‭ ‬الشخصية‭ ‬للفرد‭ ‬مع‭ ‬بيئته‭ ‬وثقافته‭. ‬لا‭ ‬أستطيع‭ ‬أن‭ ‬أقول‭ ‬إن‭ ‬هناك‭ ‬فلسفة‭ ‬مُعيّنة‭ ‬تحكم‭ ‬نظرتي‭ ‬للحياة‭ ‬والكتابة،‭ ‬ولكن‭ ‬بإمكاني‭ ‬القول‭ ‬إني‭ ‬إنسان‭ ‬متفائل‭ ‬أنظر‭ ‬إلى‭ ‬الجوانب‭ ‬الإيجابية‭ ‬في‭ ‬الحياة‭. ‬وفي‭ ‬الكتابة‭ ‬أكتب‭ ‬لأنني‭ ‬أستمتع‭ ‬بالكتابة،‭ ‬وأقرأ‭ ‬لأن‭ ‬القراءة‭ ‬تستهويني،‭ ‬مثلما‭ ‬تستهويني‭ ‬مشاهدة‭ ‬الأعمال‭ ‬الفنية‭ ‬في‭ ‬المعارض‭ ‬أو‭ ‬الموسيقى‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬ومختلف‭ ‬أشكال‭ ‬الموسيقى‭.‬

الليبية‭: ‬كتبت‭ ‬ذات‭ ‬مرة‭ ‬إن‭ ‬‮«‬اللغة‭ ‬بيت‭ ‬الروح‮»‬‭. ‬كيف‭ ‬تعيش‭ ‬داخل‭ ‬هذا‭ ‬البيت‭ ‬اليوم؟‭ ‬وهل‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬الكلمة‭ ‬خلاصا‭ ‬وملاذا،‭ ‬أم‭ ‬أنها‭ ‬تحوّلت‭ ‬إلى‭ ‬عبء‭ ‬من‭ ‬أسئلة‭ ‬لا‭ ‬تنتهي؟

خيري‭ ‬جبودة‭: ‬كما‭ ‬تعرف‭ ‬يا‭ ‬صديقي،‭ ‬اللغة‭ ‬هي‭ ‬أهم‭ ‬مظهر‭ ‬من‭ ‬مظاهر‭ ‬الحياة‭ ‬الإنسانية،‭ ‬ونحن‭ ‬نعيش‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اللغة،‭ ‬اللغة‭ ‬بكل‭ ‬أشكالها‭. ‬وهي‭ ‬الوسيلة‭ ‬التي‭ ‬استطعنا‭ ‬بها‭ ‬أن‭ ‬نحافظ‭ ‬على‭ ‬تراكم‭ ‬الخبرة‭ ‬البشرية،‭ ‬وأن‭ ‬نطوِّر‭ ‬ذواتنا،‭ ‬وأن‭ ‬نساهم‭ ‬في‭ ‬تحرير‭ ‬أرواحنا‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬الإكراهات‭ ‬عبر‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬التجارب‭ ‬البشرية‭ ‬التي‭ ‬تُقدّمها‭ ‬لنا‭ ‬اللغة‭. ‬فانظر‭ ‬معي‭ ‬إلى‭ ‬روعة‭ ‬أن‭ ‬يتعلّم‭ ‬إنسان‭ ‬هذا‭ ‬القرن‭ ‬من‭ ‬نصوص‭ ‬حكمة‭ ‬ترجع‭ ‬إلى‭ ‬آلاف‭ ‬السنين‭ ‬من‭ ‬الحضارات‭ ‬الشرقية‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬أو‭ ‬بلاد‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬النهرين‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬حضارتنا‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية‭ ‬بُنيت‭ ‬على‭ ‬نص‭ ‬مقدّس‭ ‬لا‭ ‬تنضب‭ ‬أنواره،‭ ‬هو‭ ‬القرآن،‭ ‬كتاب‭ ‬الله؛‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬العظيم‭ ‬الذي‭ ‬ينير‭ ‬أرواحنا‭ ‬وعقولنا‭ ‬كل‭ ‬يوم،‭ ‬والذي‭ ‬يعلّم‭ ‬ويهدي‭ ‬وينير‭ ‬طريق‭ ‬ملايين‭ ‬البشر‭ ‬حول‭ ‬العالم‭.‬

‭ ‬أنا‭ ‬إنسان‭ ‬متفائل‭ ‬أنظر‭ ‬إلى‭ ‬الجوانب‭ ‬الإيجابية‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬وفي‭ ‬الكتابة‭ ‬أكتب‭ ‬لأنني‭ ‬أستمتع‭ ‬بالكتابة،‭ ‬وأقرأ‭  ‬لأن‭ ‬القراءة‭ ‬تستهويني،‭ ‬مثلما‭ ‬تستهويني‭ ‬مشاهدة‭ ‬الأعمال‭ ‬الفنية‭ ‬والموسيقى‭ ‬الكلاسيكية‭.‬

الليبية‭: ‬بدأت‭ ‬رحلتك‭ ‬شاعرا،‭ ‬ثم‭ ‬خضت‭ ‬تجربة‭ ‬الصحافة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تستقر‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭. ‬كيف‭ ‬ترى‭ ‬هذه‭ ‬المسيرة؟‭ ‬

هل‭ ‬كانت‭ ‬تحولات‭ ‬طبيعية‭ ‬أم‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬معنى‭ ‬جديد؟

خيري‭ ‬جبودة‭: ‬أعتقد‭ ‬يا‭ ‬صديقي‭ ‬أنها‭ ‬جميعا‭ ‬من‭ ‬عائلة‭ ‬واحدة،‭ ‬هي‭ ‬عائلة‭ ‬الثقافة‭. ‬وبالتأكيد،‭ ‬الشعر‭ ‬والأدب‭ ‬قاداني‭ ‬إلى‭ ‬الصحافة‭ ‬الثقافية،‭ ‬والصحافة‭ ‬أوصلتني‭ ‬إلى‭ ‬التدريس‭ ‬الجامعي‭ ‬والبحث‭. ‬هي‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي‭ ‬أغصان‭ ‬في‭ ‬شجرة‭ ‬واحدة‭.‬

الليبية‭: ‬بعد‭ ‬هذا‭ ‬المشوار‭ ‬الطويل‭ ‬بين‭ ‬القصيدة،‭ ‬ثم‭ ‬الصحافة،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬المنبر‭ ‬الأكاديمي،‭ ‬أين‭ ‬تجد‭ ‬نفسك‭ ‬اليوم‭ ‬أكثر‭ ‬حضورا‭: ‬الشاعر‭ ‬أم‭ ‬الصحفي‭ ‬أم‭ ‬الأستاذ‭ ‬الجامعي؟

خيري‭ ‬جبودة‭: ‬أستطيع‭ ‬أن‭ ‬أقول‭ ‬إن‭ ‬الثلاثة‭ ‬معا‭ ‬حاضرون‭ ‬لدي،‭ ‬وهم‭ ‬في‭ ‬تفاعل‭ ‬دائم،‭ ‬ولا‭ ‬أستطيع‭ ‬أن‭ ‬أفصل‭ ‬أحدهم‭ ‬عن‭ ‬الآخر‭.‬

Share this content: