الشخصية العجائبية فــي روايـــة الغارقــون فـــي الساقيـــة
للكاتب المبدع: يوسف إبراهيم
تعد رواية _الغارقون في الساقية_ في تصنيفها من الأدب العجائبي الذي يتميز بظهور الشخصيات الغريبة المخالفة للواقع ؛ تعتمد أحداثها على الغرائب والعجائب في السرد القصصي، تشد المتلقي في القراءة فيسبح خياله بجماليات التخييل والتشويق لمتابعة الرواية .

بقلم: د.ابتسام صفر
شخصية المهدي هي الشخصية المحورية التي تتحرك من بداية الرواية حتى نها يتها؛ حيث نرى حركتها وظهورها بكثرة ، تتميز الشخصية بالذكاء والحيل على الآخرين، وكسب الثقة والود معهم ، كان المهدي مغامرا ناجحا في حياته، لا يترك بابا إلا طرقه في الرزق يلين الصعاب ويبحث عن الوسيلة لكسب الرزق ، شخصية المهدي عجائبية المواقف تحب المغامرة تتخطى الأزمات بأعجوبة دون التفكير في النتائج، تقفز من مكان لآخر فعنده الغاية تبرر الوسيلة امتزجت الشخصية بإخفاء النوايا الداخلية ولعبت أدورا عديدة نذكر منها:
1 .. البطل الماكر:
هو المهدي في الرواية وقد اشتغل على الدهاء وسرعة الملاحظة (( كان المهدي يبيع الحليب بأنواعه ومشتقاته بما فيه حليب الحمير وخلطه من ابتكاره ادعى أنها حليب عصافير الكناري وأقسم أنه حلبها بسبابته وإبهامه من ثدي الغولة ذاتها)) بهذا الوصف تعرف القارئ على المهدي وشخصيته التي تعتمد على التلاعب بعقول الناس بمختلف مستوياتهم واكتشف المتلقي أفعاله وطريقة تفكيره في مواضع كثيرة من الرواية وكان الكذب وسيلة المهدي ومنجده من إجابات الآخرين (( عبقرية بائع الحليب جعلت منه حكيما أوحد يعتمد العلاج بوصقات الحليب كما جعلت منه عبقريته الأسبق _ في العالم وعلى مدى التاريخ – إلى تركيب وصفة للمصالحة بين الحليب والماء)) قدم الراوي سلوك المهدي وطرقه في التحايل على الناس وكسب أفئدتهم بمختلف الطرق وركز على أفعاله ووصفها عن طريق الحوار مع الآخرين تارة وبالسرد الممتع تارة أخرى، شخصية المهدي تحمل أطوارا غريبة ومهن مختلفة باحترافية اكتسبها من الرحلات والمعتقدات والخرافات الشعبية يبثها هنا وهناك ويتلون بلون جديد وسلوك متزن لا أحد يشعر بذلك (( لا أحد يعرف كيف تمكن المهدي – وهو الماكر – من إطفاء غضب الغولة وعقد الصفقة والتصالح معها على الإبقاء على حياته مقابل استعبادها إياه ومكوثه إلى الأبد في قصرها الخرافي المهيب))المهدي رجل ذو حركة وتفاعل مع أحداث الرواية يسير معها وفق حبكة متينة ومواقف كثيرة .
قد أفلح الراوي في رسم أفعال المهدي وطريقة اقناع الآخرين ببضاعته الشعبية والخرافية والصوفية المتمثلة في السحر والخداع ومقالب متعددة اتسمت بالعجيب والغريب في الرواية والمفارقة أن المهدي يتظاهر بالنقاء والصفا أمام الآخرين (ماكان يميز المهدي دائما: النظافة.
كان نظيف اليد.لا يلطخ يديه بشيء أبدا.
لم يكن يلمس بيديه .يدير أمور الشر والخير باقتدار من خلف ستار(
2 .. أمكنة البطل:
تجول المهدي في أماكن عديدة، واكتسب منها خبرته في الحياة وقد زار العديد من الأماكن البعيدة والقريبة وشكلت الأمكنة عنصرا مهما في الرواية وصور الراوي زيارات ومواقف المهدي في أماكن كثيرة ( خبرة المهدي في التجوال ورغبته في أن يعوض بعضا من نقوده التي غرقت جعلته يوقف رحلة العودة إلى فأس) كانت بداية الرحلة السعي وراء الرزق ثم أصبحت رحلة اكتشاف ومغامرة ( في ظلمة الليل البهيم في عرض المتوسط ولدى اصطدام السفينة بنتوء صخري لا وجود له على الخريطة : كان المهدي نائما في مقصورته في الطابق السفلي : هرعت جموع الحجاج إلى السطح في هلع.
المهدي الذي نام على بطنه: لم يفق بعد.) مكان يضج بالأحداث المثيرة فأعطى للقارئ رؤية بصرية في عرض أحداث السفينة وغرقها ومحاولة ركابها النجاة .
في موضع أخر من الرواية كان المكان هدف المهدي الذي يحاول الوصول إليه ( الساقية عالم آخر) ( الساقية فأس أخرى) كان المكان مرتبطا بمحور الرئيس للرواية والمعول عليه من عنوانها وأحداثها حتى نهايتها ونقل الراوي أهمية المكان ومشاهده وشخوصه وغايته الفكرية والخرافية في النص ثم انتقل إلى مكان آخر( في فأس : تناقلوا أخباره على أنه زار خمسة وثلاثين بلدا وتزوج ثلاثا وعشرين امرأة أنجب خمسة وسبعين ولدا) أوحى المكان بالحياة الشعبية والثقافية العامة التي تتداول أخبار المهدي، وازدهر المكان بالحركة والمغامرة وقوة الحدث وإشارات التناص والرمز في الرواية من البحر وغرق السفينة تنطلق مواقف العجائب والغرائب كقول الراوي عن المهدي: ( أفاق مع الفجر

مع الفجر : وجد نفسه منبطحا على اللوح الخشبي وسلحفاتان عظيمتان تدوران حوله
مع إفاقته : غادرت السلحفاتان ووجد نفسه في حوض على ساحل جميل.
فيما بعد: علم أنه في سوسة .
فيما بعد علم أن الحوض هو حوض كليوباترا
هذه الحادثة : زادت اقتناع فقيه القرية بأن السلحفاة حيوان مقدس)
امتزج المكان بين الواقعية واللاواقعي بسرد يتنامى مع المشهد وقدم دلالة الصورة البصرية لحالة المهدي مع البحر، اللوح الخشبي، السلحفاتان، حوض كليوباترا، سوسة ،بشكل عجائبي يحتمل العقل تصديقه أو تكذيبه في وقت واحد.
مهنة البطل: اشتغل المهدي في مهن عديدة ( في جزر الكناري : تعلم الإسبانية في ثلاثة أشهر من دون معلم.
في جزر الكناري: تعلم السباحة في ثلاثة أشهر أيضا من دون معلم .
في مراهقته : كان هو صاحب سابقة صيد الحمام بوضع السم في الماء
في جزر الكناري : ابتكر لصيد العصافير خلطة صمغية فريدة . ركبها من لحاء الأشجار المطبوخ مع اللبان المر)
حاول الراوي كشف شخصية المهدي بكل تفاصيلها للقارئ فالمهدي ليس عاديا امتلك ناصية العمل والخبرة في أغلب الأعمال والمهن للوصول إلى جمع المال بكل الطرق والوسائل (بعد أن ضاق به العيش في تنسيفت قرب مراكش : جرب كل السبل لتوسعة عيشه طلب عملا في مخبز رفيق صباه، فلم يحصل عليه.. اراد أن يعقد صفقة مع الخباز)
) في أزقة تاناريفه ولاس بالماس تعلم الفهلوة والشطارة والقدرة على الإقناع وحذق عددا لا يستهان به من المهارات وهناك عركته الحياة وضرسته بنابها وجعلته يتلقى ضربات لم تقصم ظهره. بل زادته قوة(
استطاع الراوي بأدواته اللغوية والسردية أن يكثف التشويق والمواقف المترابطة حول شخصية المهدي بأبعادها الاجتماعية والخرافية وكان البعد الغرائبي غير المألوف رائعا حاضرا بمعية حركة المهدي وتفاعله مع الحدث ( اتجه المهدي إلى البحث العلمي الجاد بعد اعتذار عفاريت القمقم عن هذه المهمة التي وصفوها بالمستحيلة.
شكك الحساد والمغرضون بشدة إمكانية التوصل إلى نتيجة .قالوا:
- كيف يتحول أصل التراب الخسيس إلى جوهر المعدن النفيس؟
أسر المهدي في نفسه ولم يبد لهم أن ترابه ليس خسيسا .إن محاولاته ليست لتحويل التراب إلى ذهب. بل لإعادة الذهب كما كان(!!
Share this content: