الشباب والعملات الإلكترونية في ليبيا:
شهادات ضحايا شركات التداول الوهمية
في ظل الأزمات الاقتصادية والمالية التي تعصف بليبيا منذ سنوات، اتجهت شريحة كبيرة من الشباب نحو التداول بالعملات الرقمية مثل البيتكوين والإيثيريوم، بحثًا عن منفذ للحرية المالية وتحقيق دخل مستقل. هذا السوق الجديد، الذي يُعتبر عالمياً محفوفًا بالمخاطر والفرص، أصبح في ليبيا رائجًا رغم القوانين التحذيرية التي أصدرتها السلطات الرسمية. فما هي دوافع الشباب الليبيين للانخراط في هذا المجال؟ وهل نجحوا بالفعل أم تعرضوا للخسارة والنصب؟ وما هو موقف الخبراء الاقتصاديين من هذه الظاهرة؟
. بين الحرية المالية والمخاطر
الأوراق المالية
كنز نائم أم فرص مهدورة؟
تقرير : آزاد الفرج
واقع التداول بالعملات الرقمية في ليبيا
تشير تقارير دولية، مثل تقرير “Global Crypto Adoption Index 2024” الصادر عن Chainalysis، إلى أن ليبيا من بين الدول ذات نسب تبني مرتفعة للعملات الرقمية، خاصة بين الشباب. رغم غياب تشريع واضح أو تنظيم رسمي، استغل كثيرون عدم الاستقرار الاقتصادي وانخفاض قيمة العملة المحلية (الدينار الليبي) للبحث عن بدائل مالية.
يقول عبد الرحمن 28) عامًا(، متداول ليبي:
“بدأت التداول بالبيتكوين منذ 3 سنوات، ونجحت في جني أرباح جيدة، خاصة في فترات ارتفاع السوق، لكن خسرت مبالغ كبيرة أيضًا. الأمر يشبه لعبة الحظ، لكن من دون معرفة كافية، قد تخسر كل شيء.”
في المقابل، تحذر تقارير منظمات مثل منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) من أن التداول غير المنظم يعرض المستثمرين إلى مخاطر الاحتيال والنصب، خصوصًا في بيئة غير قانونية أو غير منظمة مثل ليبيا.
شهادات من شباب خاضوا التجربة
فاطمة 24) عامًا(:
“انضممت إلى دورة تدريبية عبر الإنترنت لتعلم التداول، لكن ما تعلمته لم يكن كافيًا. تعرضت لخسارة كبيرة بعد استثمار مبلغ مالي كنت بحاجة إليه. أعتقد أن الوعي والتثقيف المالي ضئيل جدًا هنا.”
ياسين 30) عامًا(:
“سمعت كثيرًا عن قصص نجاح على وسائل التواصل، لذلك قررت المخاطرة. صحيح أنني ربحت بعض المال، لكن السوق متقلب جدًا وأحيانًا تشعر بالعجز أمام الأحداث المفاجئة.”
سالم 26) عامًا(:
“تعرضت لعملية نصب من شركة تداول وهمية، وأبلغت الجهات الأمنية ولكن دون جدوى. للأسف، لا توجد قوانين تحمي المستثمرين في هذا المجال.”
آراء خبراء ومسؤولين اقتصاديين
المسؤول في مصرف ليبيا المركزي، الذي فضل عدم الكشف عن اسمه، بيّن:
“لا توجد أي جهة رسمية تسمح باستخدام العملات الرقمية كوسيلة قانونية للدفع أو التداول. ونعمل على توعية المواطنين بمخاطر هذه التداولات غير المنظمة.”
اما الخبير المالي سامح عمار الكانوني اجاب
عند الحديث عن التداول في ليبيا، وخصوصًا في *سوق الأوراق المالية*، فإننا نتناول جانبين مهمين:

. من حيث الشرعية:
التداول في ذاته لا بأس به شرعًا إذا كان قائماً على الربح والخسارة ومبنيًا على أسس واضحة، ولا يتضمن معاملات محرمة. أما إذا كانت الشركات المتداولة تعمل في أنشطة محرمة مثل الخمور أو التبغ أو غيرها، فذلك يغيّر من الحكم الشرعي، ويدخل في باب المحرمات.
من حيث الواقع:
سوق الأوراق المالية الليبي غير مرتبط بالأسواق العالمية مثل “داو جونز” وغيرها. بل هو محدود في نطاقه، ويقتصر نشاطه على بعض *المصارف التجارية وشركات التأمين ولا يزال – للأسف – غير مفعّل بالشكل المطلوب الذي يخدم الاقتصاد الوطني.
أما فيما يخص *العملات الرقمية* مثل “البيتكوين“، فبرأيي – وبحسب ما نراه كخبراء ماليين واقتصاديين – فإنها تمثل خطراً حقيقياً وكذبة عالمية لأسباب كثيرة، أهمها:
-غياب جهة إصدار رسمية: فلا توجد جهة معروفة تصدر هذه العملات، ولا تخضع لأي مصرف مركزي، مما يفتح المجال للتلاعب.
– انعدام القيمة الحقيقية: على عكس العملات القديمة التي كانت تُزن بالذهب أو الفضة، العملات الرقمية لا تملك قيمة مادية أو ضمانًا فعليًا
.العملات القديمة في فترة الدولة العثمانية، مثل الليرة الذهبية والمحبوبة الفضية، كانت تحمل قيمتها الذاتية، حيث كانت الليرة موزونة بالذهب والفضة موزونة بالفضة.
- أداة جديدة للتحايل*: يتم استخدامها كوسيلة للسيطرة على الأموال، وجمع البيانات المالية للأشخاص، ومعرفة سلوكهم الاستهلاكي بدقة، ما يجعلهم عرضة للتوجيه والتحكم.
واضاف أغلب من يُقبل على الاستثمار في العملات الرقمية أو التداول في الشركات الوهمية هم من فئة الشباب، بنسبة تصل إلى 99%. السبب الرئيسي هو غياب القوانين المنظمة داخل ليبيا، وانعدام الرقابة الفعلية التي تحفظ أموالهم وتضمن حقوقهم. الشباب يبحثون عن فرصة لتكوين رأس مال سريع، ويظنون أن هذه المنصات تمثل طريقاً مختصراً للثراء.
وعن مخاطر العملات الرقمية:

إذا تعطل النظام، فإنك لن تتمكن من الوصول إلى أموالك. كما يمكن تجميد أموالك أو الاستيلاء عليها في أي وقت ولأي سبب، ايضا تعتمد العملات الرقمية على المضاربة كوسيلة لتحقيق الأرباح. فعندما تكون قيمة العملة منخفضة جداً، يمكن للمستثمرين شراء كميات كبيرة منها بمبالغ بسيطة. ومع ارتفاع السعر، يحققون أرباحاً طائلة.
واكد ان التعدين الرقمي في ليبيا أصبح ظاهرة مقلقة، خاصة أنه يُمارس خارج الأطر القانونية. رغم أنه يحقق أرباحًا لبعض الأفراد، إلا أن تأثيره السلبي على شبكة الكهرباء كبير جدًا. نحن نتحدث عن استهلاك مفرط للطاقة في بلد يعاني أصلًا من أزمة كهرباء متكررة. علاوة على ذلك، النشاط يُسبب أضرارًا بيئية نتيجة السخونة والانبعاثات، فضلًا عن التأثير على المناطق السكنية. في النهاية، المكاسب الشخصية لا تبرر الأضرار العامة.
وعن طرق الاحتيال المستخدمة أوضح أنهم يعتمدون على الإعلانات المستهدفة، حيث يتم جمع بياناتك تلقائيًا عبر منصات مثل فيسبوك، ثم يتواصل معك من يدّعي أنه مستثمر أو مندوب رسمي، ويقدم عروضًا تبدأ من 200 أو 300 دولار بحجة الاستثمار. يغرونك بأرباح أولية بسيطة حتى يكتسبوا ثقتك، ثم ينهبون أموالك بالكامل.
واكد الخبير ان التعدين نشاط غير قانوني داخل ليبيا، خاصة أنه يستهلك كميات كبيرة من الكهرباء ويؤثر سلبًا على منظومة الطاقة، ويسبب أضرار بيئية في المناطق السكنية. رغم أن بعض الأجهزة تحقق عائدات تصل إلى 300 و1500 دولار شهريًا، إلا أن الخسائر على مستوى البنية التحتية تفوق ذلك بكثير.

وعن الفرص الآمنة للتداول إذا أمكن اوضح
إذا تم التداول من خلال منصات رسمية تابعة للدولة، وخاصة عبر -سوق الأوراق المالية الليبي-. من الممكن إقامة محافظ استثمارية جماعية، مثل أن يساهم كل شخص بمبلغ معين (1000 أو 2000 دينار مثلاً)، يتم توجيهها لمشروعات إنتاجية واضحة، كفتح مصنع إسمنت أو مشاريع صناعية أخرى.
هذه المشاريع تكون -موثقة بقوانين واضحة-، حيث تُطرح الأسهم للاكتتاب، وكل سهم له قيمة محددة ومعلن عنها، وإذا لم يتم تنفيذ المشروع، تُرجع الأموال للمستثمرين بموجب أوراق قانونية مختومة من سوق الأوراق المالية..الجميل في هذا النوع من التداول أنه شفاف، حيث يمكن للمواطن متابعة أداء أسهمه، معرفة الأرباح، وزيادة أو نقصان القيمة السوقية، وحتى سحب أرباحه في الوقت المناسب.
لكن للأسف، -دور سوق الأوراق المالية في ليبيا ما يزال محتشمًا-، ويقتصر على بعض المصارف وشركات التأمين فقط، ولم يُفعّل كما ينبغي.
في البداية يدفعون لك ثم يأخذون كل شيء
خاتمة
يبقى التداول بالعملات الرقمية في ليبيا ظاهرة جديدة تحمل بين طياتها فرصًا وإغراءات كبيرة، لكنها أيضًا محفوفة بالمخاطر. ومن أجل حماية شبابنا، لا بد من رفع مستوى الوعي المالي، وتحسين البيئة التنظيمية، وتوفير بدائل اقتصادية أكثر استقرارًا.
Share this content: