أزمة الصرف الصحي تخنق أهالي ليبيا وتسمم شواطئها وتلوث أرضها ومياهها الجوفية
رضا فحيل البوم
طرابلس، ليبيا
تحت سماء العاصمة الليبية، تتفاقم أزمة بيئية وصحية صامتة لكنها مدمرة، تهدد شواطئها ومياهها الجوفية، وتضرب في صميم البنية التحتية. فبالرغم من أن ليبيا كانت من أوائل الدول في المنطقة العربية التي أنشأت مشروعات معالجة الصرف الصحي في ستينيات القرن الماضي، يواجه هذا القطاع الحيوي منذ أكثر من ثلاثين عاما، تدهوراً كارثياً حيث توقف التخطيط العمراني وطفحت مياه الصرف الصحي في الأودية والشوارع والأزقة وتحولت شواطئ ليبيا على ساحل البحر المتوسط إلى مكب نفايات صامت.
نهر مجاري طرابلس الخالد: الأهالي يعيشون على ضفاف التلوث
تحصلنا على رسالة وجهها مدير مكتب الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد فرع أبوسليم، السيد «عماد الدين عيسى» في ديسمبر 2025، إلى مسؤولي الشركة العامة للمياه والصرف الصحي بخصوص شكاوى من قبل المواطنين لطفح مياه الصرف الصحي بطريق وادي المجينين الواقعة بجوار مسجد جرير بن عبد الله البجلي بمنطقة الهضبة بالعاصمة طرابلس، حيث تسبب صرف هذه المياه في انبعاث روائح كريهة تضررت منها المنازل المحيطة، وكذلك رواد المسجد والمارة.

صور لآثار مياه الصرف الصحي بطريق وادي المجينين التقطت في ديسمبر 2025
ويوضح السيد «عماد الدين» أن هذا يعد مخالفة للمادة رقم (2) من القانون رقم (15) لسنة 2003م بشأن حماية وتحسين البيئة، والمادة رقم (3) من القانون رقم (13) لسنة 1984م الخاص بالأحكام الخاصة بالنظافة العامة، مضيفا « تسبب تلك المياه انتشار البعوض والحشرات الناقلة للأمراض وخلق بيئة مناسبة لتكاثرها. إضافة إلى احتمالية انهيار البنية التحتية، نتيجة لوجود ممر المياه بجوار الحواجز الاسمنتية، والذي قد يؤدي إلى انهيار الكوبري القائم على الطريق السريع نتيجة لمرور المياه بجانبه ودخولها أسفله.»
ويؤكد السيد «عماد الدين» في خطابه أنه قد تبين من وجود تواصل سابق من جهات أخرى مع الشركة بخصوص الصيانة اللازمة دون أن يتم القيام بها، وأن عدم القيام بالصيانة اللازمة يمثل مخالفة صريحة للمادة رقم (237) من قانون العقوبات الليبي المتعلقة بالتقصير والامتناع عن القيام بالواجب، والمادة رقم (238) الخاصة بالإضرار بالصالح العام.
السيد «سمير جرناز» يقيم في منطقة تضررت من طفح مياه الصرف الصحي بطريق وادي المجينين كتب منشورا على صفحته على فيسبوك في نوفمبر 2025، ينتقد فيه بشدة اهمال الحكومات للمشكلة واصفا بأن سكان المنطقة يعيشون بمحاذاة «نهر مجاري طرابلس الخالد»، وأنهم ينامون ويستقيظون على رائحة المجاري ولدغ البعوض وانتشار الجرذان.

يقول جرناز « نحن سكان المنطقة نعاني من هذه المشكلة منذ أكثر من 15 عاما، نستنشق تلك الروائح الكريهة على مدار الساعة، وتزداد أثناء الليل والصباح الباكر لدرجة أننا اعتدنا عليها، إذا بادرت وزارة الصحة، لتنظيم حملة للسكان المتجاورين لمجرى الوادي، للكشف عن الأمراض التي يعانون منها، حتماً ستجد إصابات بأمراض جلدية، وأمراض تتعلق بالجهاز التنفسي، وأمراض العيون، وأمراض الأنف والأذن والحنجرة وغيرها».
ويضيف جرناز « لقد تسببت هذه المشكلة في إصابة السكان بعدة أمراض نفسية، واجتماعية، منها: الكآبة، والانطواء والعصبية المفرطة والهروب من البيوت والحرج الشديد من استقبال الضيوف والعنف المنزلي والعنف المدرسي والمشاكل بين الجيران والتحسس من سكان المناطق الأخرى في طرابلس والنقمة على الحكومات المتعاقبة. الجيران يفكرون بجدية في الهجرة من المنطقة والمساجد تأذت من الروائح الكريهة والعمال الأجانب الذين يقفون يومياً وبالساعات الطوال بمحاذاة مجرى الوادي، هؤلاء من المؤكد أنهم مصابون بأمراض خطيرة، دون أن يعلموا بذلك».
يقول جرناز «لقد أثرت مشكلة الصرف الصحي على قدراتنا على استخدام أو الاستمتاع بالمساحات الخارجية المحيطة بمنازلنا بشكل كبير، والمثال حديقة سوق الثلاثاء. والروائح الكريهة التي تنتشر فيها، وكذلك البعوض الذي يحوم فيها صباح مساء، ورغم ذلك فالناس تتقاطر على هذه الحديقة، لأنه لا يوجد متنفس آخر قريب، وإن وجد فهو برسوم دخول. المنطقة تعاني من انجرافات التربة القريبة من مجرى الوادي يمكن رؤيته بالعين المجردة، ويبقى انهيار البنية التحتية، كالطرق والأرصفة والحواجز الاسمنتية القريبة خطر غير مرئي، ولكنه يتربص بنا، ويتحين فرصة هطول الأمطار الغزيرة، لكي يكشف عن تهديده للناس».
ويضيف جرناز «الناس يكابدون كل عام في صيانة منازلهم، فصنابير المياه في حاجة للتجديد كل فترة و(المكيفات) كثيرة الأعطال بسبب الغازات المنبعثة من مجرى الوادي، وأنا لا استبعد هنا تأثر وتلوث مياه الآبار الجوفية في المنازل المحاذية لمجرى الوادي، بسبب تسرب مياه المجاري وسط الوادي، للأحياء السكنية القريبة من الوادي، حتى الملابس التي تغسلها النسوة في بيوتهن، وتقمن بنشرها فوق أسطح المنازل، لم تسلم من الروائح الكريهة، التي تعلق بها».
يقول جرناز «مناظر انسداد وانغلاق أنابيب ومجمعات الصرف الصحي في الشوارع القريبة من مجرى الوادي بدأت مناظر مألوفة لدى سكان المنطقة وخاصة في فصل الصيف، فهي دائماً تفيض، وأحياناً ترد على بعض المنازل، مما يضطرهم للاستنجاد بشركة المياه والصرف الصحي، أو بالعمال الأجانب. أبلغنا جميع من يعنيهم الأمر من كافة المسؤولين بمختلف مستوياتهم، من المحلة إلى البلدية إلى الدولة، كلهم لديهم علم، وعلى دراية تامة بمشكلة مجرى الوادي ولكن لا حياة لمن تنادي.»
وتأكيدًا على استمرار مشكلة مجرى الوادي التي لم تحل، نشرت وزارة البيئة خبرا في مايو 2024 يتعلق بزيارة قامت بها مراقبة شؤون البيئة أبوسليم لمجرى الوادي المتضرر بمياه الصرف الصحي التي تصب بالبحر بدءاً من حدود بلدية أبوسليم الإدارية حتى سوق الثلاثاء انتهاءً بمصب الوادي حتى البحر، حيث لوحظ تلوث مجرى الوادي بمياه الصرف الصحي.

الأمر غير مقتصر على مدينة طرابلس، ففي دراسة بحثية للباحثين» فرج المبروك، عائشة الزياني، وحليمة الباقرمي، بعنوان « دراسة تلوث مياه بحيرة 23 يوليو بمدينة بنغازي» المنشورة في العدد 20 من ديسمبر 2019 بالمجلة الدولية للعلوم والتقنية بينت أن بحيرة 23 يوليو أو بحيرة بنغازي وهي البحيرة الواقعة في وسط مدينة بنغازي وتعد من أبرز معالم المدينة وتربطها بالبحر المتوسط قناة صغيرة مع ميناء بنغازي وتبلغ مساحتها 100 هكتار أصبحت مصدرا وبؤرة للتلوث بوسط المدينة وانعدمت الحياة في البحيرة وأظلمت مياهها بسبب انهيار محطات الصرف الصحي في المدينة .
الصندوق الأسود للمياه والصرف الصحي
بدأت رحلة بحثنا الأولى عن وضع الصرف الصحي في المدن الليبية، بالشركة العامة للمياه والصرف الصحي ، والتي أُنشئت بموجب قرار اللجنة الشعبية العامة « سابقاً « رقم (923) والمعدل بالقرار (1052) لسنة 2007 تتولى ممارسة اختصاصاتها في مجال تشغيل وصيانة شبكات الصرف الصحي وما يتصل بها من محطات المعالجة والتنقية والضخ ومراكز المراقبة والتحكم، فتصفحنا موقعها الإلكتروني وصفحتها على فيسبوك فلم نجد تقريرا لا عن المياه ولا عن الصرف الصحي، قمنا بالضغط على أيقونة «اتصل بنا » فوجدنا أن أرقام الهواتف لا تعمل وأنه لا يمكن كتابة نص في الجزء المخصص للتواصل مع الشركة، قمنا بالتواصل مع رئيس مجلس الإدارة السيد « رفيق أبولسين » والسيد مدير مكتب الإعلام «محمد كريم» فلم يكن هناك رد منها بالرغم من الاتصالات المتكررة، قمنا بترك رسائل صوتية بخصوص الأسئلة التي نود الإجابة عليها من قبل الشركة ولكن لم نتلق ردا.
ومن خلال تصفح صفحة الشركة على فيسبوك، تبين أن معظم أعمال الشركة المنشورة تمثلت في تركيب أغطية غرف صرف صحي أو أعمال شفط وتنظيف وتسليك خطوط صرف صحي ولا أثر لأي معلومة توعوية عن التلوث بسبب مياه الصرف الصحي غير المعالجة.

طوفان التلوث وتضارب البيانات الرسمية: ما يقارب من 650 مليون متر مكعب من مياه الصرف الصحي سنويا
يظهر تقرير للشركة العامة للمياه والصرف الصحي تم عرضه خلال معرض ليبيا الثامن للإنشاءات المنعقد في الفترة من 13- 16 ديسمبر 2025 ، أن من بين ( 24) محطة معالجة لمياه الصرف الصحي تعمل فقط محطة واحدة فقط ( النجيلة بقدرة إنتاجية تقدر ب 3000 متر مكعب في اليوم) وأن معظم هذه المحطات في حالة فنية سيئة وخرجت عن الخدمة منذ سنوات وتحتاج إلى تأهيل وتطوير لزيادة السعة التصميمية حتى تتوافق مع التوسع والنمو السكاني والتنمية العمرانية.كما يظهر التقرير أن كمية مياه الصرف الصحي المتولدة من الإمداد المائي للشركة تقدر بحوالي 649.8 مليون متر مكعب سنويا حيث تقدر كمية المياه المتسربة خارج الشبكة بحوالي 454.9 مليون متر مكعب سنويًا.
ويظهر تقرير آخر أن الشركة تواجه جملة من التحديات والصعوبات التي تؤثر سلباً على أداء المهام المناط بها منها الاستغلال الجائر في استعمال المياه بسبب مجانية المياه والتوسع العمراني والنمو السكاني المتزايد والبناء العشوائي في المدن الكبرى، توقف التخطيط العمراني وازدياد النشاط الصناعي الذي انتشر بشكل عشوائي وما يترتب على ذلك من فضلات صناعية محملة بالمواد الكيميائية والمعادن الثقيلة الملوثة، الأمر الذي أدى إلى قتل البكتريا المستخدمة في عملية المعالجة، وتداخل مياه أخرى مع مياه المجاري مثل مياه الأمطار ومياه الغسيل الناتجة عن محطات غسيل السيارات والوقود وبعض الورش والتي تسببت في انسداد الشبكات والانتهاكات المستمرة على محطات المعالجة والضخ والادعاء بملكية الأرضى المقام عليها تلك المحطات.
بيانات تقرير الشركة العامة للمياه والصرف الصحي اقتصرت على المياه المنتجة من قبل المواطنين المرتبطة مساكنهم بالشبكة العامة للصرف الصحي، ولم تأخذ في الاعتبار المساكن خارج المخططات بشكل كامل ولم تبين بيانات التقرير كميات مياه الصرف التي تلوث البحر المتوسط ولا تلك الملوثة للتربة، ولهذا السبب اخترنا أن نقوم باحتساب كميات مياه الصرف الصحي المتولدة من البيانات المتوفرة من الجهات الرسمية الأخرى والمتعلقة بعدد السكان ونسبة المنازل المرتبطة بالشبكة وغير المرتبطة بالشبكة لتقدير كميات مياه الصرف الصحي المتولدة من السكان سنويا.
عند بحثنا في محرك قوقل Google عن نسبة السكان المتصلين بالشبكة العامة للمياه والصرف الصحي عثرنا على تقرير بعنوان ليبيا MICS 7 المسح العنقودي متعدد المؤشرات: اللقطات الإحصائية « وهو تقرير أعدته مصلحة الإحصاء والتعداد بليبيا لعامي (2024-2025) بدعم من اليونسيف وهو التقرير الوحيد المبني على استبيانات تبين نسبة السكان المتصلين بخدمات الصرف الصحي العامة وتحصلنا عليها في الصفحة 50. أما عدد السكان فقد تحصلنا على آخر احصائية رسمية مقدرة من قبل مصلحة الإحصاء والتعداد والتي كانت في عام 2021.

قمنا بإدخال البيانات وتقسيم المدن إلى مدن ساحلية وأخرى غير ساحلية، حيث يبين التقرير الوطني للمسح العنقودي أن ما يقارب من نصف السكان في ليبيا يقطنون في مناطق خارج المخططات الحضرية حيث توقف التخطيط العمراني في ليبيا منذ ثمانينات القرن الماضي. افترضنا أن معدل إنتاج مياه الصرف هو 250 لتر لكل فرد يوميا، فنتج أن إجمالي كمية مياه الصرف الصحي هو 634.8 مليون متر مكعب سنويا ، منها (677367 متر مكعب يوميا ) 243.6 مليون متر مكعب سنويا يتم تصريفه عبر الشبكة العامة للصرف الصحي أي أنه يصرف في البحر دون معالجة و 391.2 مليون متر مكعب سنويا يتم تصريفه إلى التربة، مع ملاحظة أننا لم نأخذ في الاعتبار عدد المهاجرين سواء كانوا بإقامة شرعية أو غير شرعية والتي تتضارب البيانات حولهم من مليون إلى ثلاثة مليون مهاجر.

الصرف الصحي يسمم شواطئ ليبيا
التصريف المباشر لمياه الصرف الصحي غير المعالجة له تأثيرات مدمرة على البيئة البحرية، ففي يوليو 2017، اضطرت بلديات طرابلس المركز وسوق الجمعة وحي الأندلس إلى إصدار بيان تحذيري للمواطنين، أكدت فيه عدم صلاحية مياه البحر للسباحة أو لتحلية المياه أو صناعة الثلج، بسبب ارتفاع نسبة التلوث واحتواء المياه على البكتيريا والطفيليات والفيروسات ومخلفات عضوية مسببة للأمراض، ودعت الهيئة العامة للموارد المائية بتحمل مسؤولياتها واتخاذ الإجراءات اللازمة والعاجلة لتأهيل وتطوير محطات الضخ والمعالجة لزيادة السعة التصميمية حتى تتوافق مع حركة النمو السكاني والتنمية العمرانية .

وفي يوليو 2021 أكد وزير البيئة في حكومة الوحدة الوطنية «إبراهيم العربي» على ضرورة منع السباحة في شواطئ مصيف الليدو (مصيف السندباد سابقاً) والتي تعاني من التلوث نظراً لوجود مصبات الصرف الصحي في الشاطي مباشرة دون أن تمر بمراحل المعالجة ولعدم وجود لوحات ارشادية للمصطافين تنبه بعدم السباحة والتي تعود على المواطن بالاضرار الصحية، مشددا على ضرورة إيجاد حلول لمياه الصرف الصحي ومعالجتها.
وفي دراسة بحثية عنوانها «تأثير مياه الصرف الصحي غير المعالجة على شواطئ مدينة طرابلس» أعدها د. أحمد ببريرة، الدكتور بشير فارس والمهندسة فاطمة البهيليل، نشرت في عام 2014 في مجلة العلوم والدراسات الإنسانية التابعة لجامعة بنغازي، أكدت أن اللتر الواحد من مياه الصرف المعالجة تحتوي على ما يقارب من 2.5 بليون ميكروب، ونتيجة لهذا التلوث الميكروبي تتضح مدى الخطورة في انتقال ميكروبات الكوليرا والتيفود ومسببات الإسهال وعديد الأمراض الأخرى إلى الإنسان من المياه الساحلية لحوض البحر الأبيض. كما أوضحت الدراسة أن حوالي 35% من عينات التربة في منطقة الدراسة ملوثة، وأن أكثر من 50% من عينات مياه البحر ملوثة بالطفيليات الآدمية مسببة الأمراض مثل الاسكارس لامبريكويد، والجيارديا لامبليا، والانتاميبا هيستولوتيكا وغيرها، وأن الشواطئ الليبية أصبحت مهددة بخطر هجرة الأسماك منها، حيث أثبتت الدراسات الأخيرة أن المخزون السمكي لايتجاوز 35% .
وتشير الدراسات إلى أن مياه الصرف الصحي تؤدي إلى نقص تركيز ملوحة مياه البحر وهو ما يهدد نفوق الأسماك التي تحتاج لتركيز ملوحة لا يقل عن 35 جزءاً من الألف بسبب نقص تركيز الأكسجين المذاب نظرا لتحلل المواد العضوية، وإثراء المياه بالمغذيات (النيتروجين والفوسفور)، مما يسبب الازدهار الطحلبي الضار.
شبح الآبار السوداء يلاحق التربة والمياه الجوفية
في المناطق التي تقع خارج المخططات العمرانية ولا تخدمها شبكة الصرف الصحي العامة والتي تمثل شريحة كبيرة من المساكن ( أكثر من نصف السكان ) يضطر السكان إلى استخدام حلول بدائية وخطيرة تُعرف باسم «الآبار السوداء». تُبنى هذه الخزانات لتخزين مياه الصرف الصحي المنزلية (بقايا الطعام، المواد الكيميائية، النفايات البشرية)، وقد تكون بجدران خرسانية أو مجرد برك أرضية تسمح للمياه «بالتسرب والتسلل إلى الأرض، حيث يشكل تسرب هذه المياه غير المعالجة إلى التربة خطراً مباشراً على المياه الجوفية، ويُعد هذا التلوث من الأسباب الرئيسة لتدهور نوعية المياه، وخروج عديد من الآبار عن الخدمة بسبب الملوحة المرتفعة، مما يهدد مصادر الإمداد التقليدية لمياه الشرب.
الباحث في مجال المياه والبيئة المهندس بشير بريكة يقول « بالنسبة لموضوع مياه الصرف الصحي في المنطقة التي أُقيم بها، وهي بلدية تاجوراء ووفقاً لبعض الدراسات والمسح والحديث مع الناس والأرقام التي تحصلنا عليها عن طريق الاستبيانات، يتبين لنا أن المنطقة تفتقد لشبكة مياه البلدية هذا أولاً، وثانياً شبكة مياه الصرف الصحي. لا توجد شبكة مياه صرف صحي في مدينة تاجوراء إلا مناطق قليلة جداً، وبالتالي يلجأ السكان إلى ما يُعرف بالآبار السوداء، حيث توجد في كل بيت تقريباً إضافة أنه يوجد بئر للمياه المنزلية، أيضاً يوجد البئر السوداء. وهي أيضاً سبب من أسباب التلوث حيث تتداخل أحياناً بسبب عوامل مختلفة تتداخل مياه الصرف الصحي مع مياه الآبار.
ويضيف بريكة « بالنسبة لكيفية التخلص من مياه الصرف عند امتلاء الآبار السوداء، يتم التخلص بشكل كلٍ على حدة، بمعنى أن كل منزل يقوم باللجوء إلى ما يُعرف بهذه الصهاريج المدفوعة، يقوم بـدفع أو مقابل خدمة لإخراج هذه المياه ونقلها. ثم يقوم سائقو هذه الصهاريج بالتخلص منها، للأسف إما في لاقونات شركة المياه والصرف الصحي أو مصبات الأمطار بالطريق السريع»
أثبتت دراسة بحثية عنوانها «تلوث المياه الجوفية بمياه الصرف الصحي بمنطقة الزاوية الجديدة» أعدها الباحثان المهندس خليفة محمد الخنجاري والمهندس الهادي محمد شكل والمنشورة في العدد الثاني من مجلة « ليبيا للعلوم والتقنية التطبيقية» عام 2013 أن منطقة الزاوية الجديدة الواقعة بمحاذاة ساحل البحر، تفتقر لخدمات الصرف الصحي مما أدى إلى استعمال السكان الآبار السوداء وفى بعض الأحيان آبار المياه القديمة كمصارف لمياه الصرف الصحي ،ونتيجة لعدم تبطين هذه البيارات بطبقات عازلة عند إنشائها ، أدى ذلك لوصول مياه الصرف الصحي إلى المياه الجوفية ناقلة معها عديد من الملوثات مما سبب تلوث المياه الجوفية في هذه المنطقة.
لم يقتصر تلوث المياه الجوفية بمياه الصرف الصحي على الآبار السوداء، فقد أثبتت دراسة بحثية عنوانها « دارسة مدى تلوث مياه الآبار الجوفية بمياه الصرف في المزارع المحيطة بالبيارة «لالقون » من الناحية الكيميائية والميكروبيولوجية بمنطقة انجيلة – جنزور « منشورة في سبتمبر 2024 بالمجلة الدولية للعلوم والتقنية في عددها الخاص بالمؤتمر الليبي الدولي للعلوم التطبيقية و الهندسية في دورته الثانية، أن معظم الآبار الجوفية للمزارع في المنطقة المحاذية للبيارة « حفرة تجميع مياه الصرف الصحي التابعة لمحطة معالجة النجيلة « قد تعرضت للتلوث بمياه الصرف الصحي من خلال تلوث ميكروبي ببكتريا القولون الغائطية، وأوصت الدراسة بإيجاد بديل للبيارة لما لها من تأثير سلبي على صحة الإنسان والنبات والحيوان، والعمل على انشاء محطات معالجة متطورة لمياه الصرف وفق المعايير الليبية والدولية.
قصور التشريع وضعف الرادع: خطر الجرائم البيئية في ليبيا
يؤكد المستشار القانوني والباحث في قضايا حقوق الإنسان، السيد احميد المرابط الزيداني، أن تشغيل وصيانة شبكات الصرف الصحي ومحطات التنقية والضخ لمياه الصرف الصحي وما يتصل بها من محطات التوزيع ومراكز التحكم، هي من صميم عمل شركة المياه والصّرف الصّحي وفقا للتشريعات الليبية، وأن القرار رقم (57) لسنة 2019 بشأن لائحة تنظيم مرفق المياه والصرف الصحي، أوجب كذلك أن تتولّى البلديات إنشاء وصيانة وإدارة شبكات المياه والصرف الصحي.
يقول الزيداني «مسؤولية التلوث تقع على عدة جهات بحسب مصدر ذلك التلوّث، فإذا كان مصدره قصور في أداء محطّات المعالجة أو شبكات الصرف الصحي، فإنّ الشركة العامّة للمياه والصرف الصحي هي المسؤولة عن ذلك، وإذا كان التلوث مصدره مستشفيات أو جهات عامّة فإنّ تلك الجهات هي المسؤولة عنه، وإذا كان المصدر منشآت عامّة أو خاصّة فإنّ القائمين عليها مسؤولون مسؤولية مباشرة، فالقانون يُلزم المواطن بضرورة أن تكون خزانات مياه الآبار السّوداء ذات مواصفات خاصّة بما يكفل عدم تسرب مياهها للبيئة المحيطة، كما أنّ عملية تفريغ مياه الآبار السوداء والمخلّفات السائلة يجب أن تكون في نقاط تحدّدها البلديات وذلك وفق القرار رقم (57) لسنة 2019 م بشأن لائحة تنظيم مرفق المياه والصرف الصحي»
ويضيف الزيداني «بالرغم من أن القانون الليبي رقم 15 لسنة 2003 (الخاص بحماية وتحسين البيئة) «يمنع تصريف الفضلات بمختلف أنواعها في أي وسط بيئي دون معالجة»، حيث تحظر المادة الرابعة والثلاثين منه « صرف المياه الملوثة بالبحر بصورة مباشرة … وذلك قبل معالجتها»، إلا أن التحدي يكمن في إنفاذ هذه القوانين».
يقول الزيداني « تعد التشريعات الحالية قاصرة وتحتاج إلى التحديث، وأن وجود غرامات هزيلة (مثل 500 دينار على عدم عزل الخزانات الخاصة مثلا) يُعد شكلاً من أشكال «التماعي» مع مرتكبي هذه الأفعال الخطيرة، بدلاً من تحقيق الردع.» فقد بيّنت المادة 45 من القانون رقم 15 لسنة 2003، وكذلك المادة 57 من اللائحة التنفيذية للقانون رقم 15 حظر التخلص من أيّة مواد من شأنها أن تسبب تلوّثا للمصادر المائية، ولكن لم تميّز تلك النصوص بين مصادر ذلك التلوث، ومدى جسامة التلوث ونوعه، الأمر الّذي يمثّل قصورًا تشريعيًّا ظاهرًا في مجابهة مثل تلك الأفعال»
ويضيف الزيداني « لم نرَ أي مُلاحقات قانونية إلى غاية الآن في الجرائم البيئية لأسباب عدة منها عدم اللجوء إلى البلاغات أو الشكاوى في الجرائم البيئية، إمّا للجهل بآثار تلك الجرائم أو بالجهات المختصّة بقبول البلاغات والشكاوى، أو ضعف دور الجهات المُختصة في مجال التوعية بأهمية السلامة البيئية وخطورة الحوادث والجرائم البيئية، أو قصور دور الجهات المختصة في مراقبة مصادر المياه والحدّ من التلوّث الّذي يطالها، ومن تلك الجهات وزارة البيئة استنادًا للفقرة (8) من المادّة (2) من القرار رقم (300) لسنة 2021، بشأن اعتماد الهيكل التنظيمي واختصاصات وزارة البيئة، إضافةً إلى مراقبات البيئة بالبلديات.
كما أن وجود بعض القيود كالشكوى والطلب تحول دون مباشرة الاستدلال في بعض الجرائم، الأمر الّذي يقيّد عمل الجهات المختصّة، ويتطلّب معه تدخّل المُشرّع لتلافي ذلك القصور.»
أما عضو مجلس النواب السيدة أسماء الخوجة فتقول « العديد من القوانين التي كانت موجودة في السابق لم تعد تصلح للوقت الحاضر، وبالتالي تجديد القوانين هنا ضروري جداً. الدول الأوروبية والعالم الآخر يجدد ويحدث قوانينه باستمرار لكي تصبح ملائمة للوضع أو التغير الذي يحدث على العالم».
وتضيف الخوجة « القانون رقم 15 سنة 2013 يعتبر إلى الآن ساري المفعول، ولكن يجب تطويره وإصدار قوانين أخرى مختصة للبيئة، لأن التلوث البيئي متنوع قد يكون كيميائيا، فيزيائيا، إشعاعيا، طبيا، تلوث صادر عن الصرف الصحي مثلاً، تلوث البحار، وبالتالي يحتاج كل نوع من التلوث قانوناً خاصا به، للأسف انشغال البرلمان بالقضايا السياسية والانقسام المؤسسي والصراع السياسي الواقع في ليبيا أدى إلى تأخر إصدار وتحديث قوانين البيئة.»
أما بخصوص العقوبات في قانون البيئة الحالي فتقول الخوجة « الغرامات المنصوص عليها في القانون رقم 15 سنة 2013 عقوبات ليست رادعة لأنها قوانين قديمة وفي ظل انخفاض قيمتها تجعل من قيمة الغرامات غير كافية للردع، بالعكس هي تشجع الشركات وتشجع الأفراد على الإهمال وعلى التخلي عن المسؤولية وتجاهل القانون. يجب أن تكون هناك عقوبات رادعة لأي شخص يرتكب جريمة تضر بالبيئة أو بالمواطنين.»
وتشير الدكتور إيمان بن حمزة، مدير إدارة نظم وسياسات إدارة المخلفات بوزارة البيئة بحكومة الوحدة إلى أن الوزارة قامت بخطوات تنظيمية منها تحديث اللائحة البيئية الخاصة بالتخلص من مياه الصرف الصحي وإعادة استخدامها، والصادرة وفق القرار رقم (722) لسنة 2024، مؤكدة «أن مشروع الاشتراطات البيئية لمياه الصرف الصناعي هو حالياً تحت الاعتماد. وأن الوزارة تعمل أيضاً على إصدار الخطة الوطنية للانسكابات النفطية واستراتيجية السلامة والتلوث البحري.»
وتكشف بن حمزة عن تحديات لوجستية ومالية خطيرة تعيق الرقابة البيئية الفعالة، خاصة في محوري الدراسات النوعية والتحاليل المخبرية الضرورية لضبط المخالفات، منها توقف المختبرات لأسباب قانونية وغياب الدراسات حول مدى تلوث التربة الزراعية والمناطق السكنية بمحيط المصبات بسبب عدم توفر ميزانيات للدراسات، وعدم تمكن جهاز الشرطة البيئية بالقيام بجميع مهامه حيث يواجه الجهاز معوقات لوجستية لفرق التفتيش نظراً لنقص الإمكانات.»
تقارير رقابية تدين الشركة العامة للمياه بالإهمال وسوء الإدارة
تؤكد تقارير ديوان المحاسبة الليبي لعامي 2013 و2018 بأن الشركة العامة للمياه أهملت وقصرت فيما يتعلق بمعالجة مياه الصرف الصحي السليمة، حيث إن معظم محطات المعالجة غير مستكملة أو متوقفة عن العمل، ويتم التخلص من مياه الصرف بدفعها نحو البحر دون معالجة، أو وضعها في أحواض ترابية تتسرب إلى المياه الجوفية، بالمخالفة للتشريعات الخاصة بحماية البيئة، دون إيجاد بدائل لتصريفها كاستخدامها في المجالات الزراعية، وري المسطحات الخضراء داخل المدن بعد معالجتها.
وتضيف ملاحظات الديوان بأن الشركة ليس لديها سياسة واضحة لصيانة محطات المعالجة، ولم تعمل على وضع آلية لتطوير واستدامة تلك المحطات، بالمخالفة لأهداف الشركة، حيث إنها قصرت في توفير الإمكانات من معدات وآليات ومعدات المناولة ومعدات الأمن والسلامة والاحتياجات اللازمة لتسيير العمل ولا توجد لديها دراسات ولا خطط علمية، لتصميم شبكات الماء والصرف الصحي بما يتماشى مع حركة النمو السكاني المتواصل.

ويتهم تقرير ديوان المحاسبة لعام عام 2022 الجمعية العمومية للشركة بعدم باعتماد الميزانيات التقديرية للسنوات المالية 2019-2022، مما يعد مخالفة للمادة (2) من اللائحة المالية للشركة، وأن آخر ميزانية تم إحالتها للديوان كانت سنة 2008م، وآخر ميزانية تم إعدادها كانت سنة 2009م، مما يعد مخالفة للمادة (63) من اللائحة المالية للشركة.

الجدير بالذكر أن الإنفاق الحكومي للشركة العامة للمياه والصرف الصحي لعام 2023 بلغ 595.333 مليون دينار ليبي ، و758.944 مليون دينار في عام 2024 دون تفصيل ما بين نفقات المرتبات وباب الدعم حيث يتم صرف مرتبات الموظفين من الباب الرابع، مما يؤكد ملاحظات تقرير ديوان المحاسبة الذي أوضح عدم وجود سياسة واضحة للتوظيف، حيث بلغ عدد الموظفين لسنة 2021م 15,340 موظف ، مما أدى إلى تكدس عدد العاملين دون الاستفادة منهم.بالإضافة إلى افتقار الهيكل الوظيفي للتخصصات والمؤهلات اللازمة، حيث كان المستوى التعليمي لبعض الموظفين يقتصر على )ابتدائي، إعدادي، ثانوي(

أزمة إدارة لا أزمة مياه
اعتمدت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة في عام 2015 أهداف التنمية المستدامة (SDGs) ، والتي تُعرف أيضًا باسم الأهداف العالمية، للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030 ومنها الهدف السادس وهو «المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي» والتي تعد حقا من حقوق الإنسان.
وفي ظل استمرار تفاقم الأزمة المائية في ليبيا، يوجه الباحث بشير بريكة انتقادات للسلطات الرسمية، مؤكداً أن الوضع المائي في البلاد يُعتبر «حرجاً» ويتدهور «عاماً بعد عام» نتيجة غياب السياسات الرشيدة.
ويرى بريكة أن الجهات الرسمية لم تنجح في اتخاذ «قرارات حاسمة» أو طرح «حلول واقعية أو ملموسة» يشعر بها المواطن، على الرغم من ادعاءاتها بتشكيل لجان لدراسة الوضع مؤكدا أن « هذا الإهمال موضوع تُسأل فيه السلطات نفسها»، مشيراً إلى أن الجهات المعنية «لم تصل بعد إلى مستوى معين من الوعي أو أنها تدرك حجم الكارثة وحجم الأزمة.»
يسلط بريكة الضوء على إهدار مورد مائي غير تقليدي وحيوي، وهو مياه الصرف الصحي، يقول بريكة: «مياه الصرف الصحي تُعد مصدراً من المصادر غير التقليدية للمياه في أي دولة، ولكن في ليبيا ما زال للأسف الشديد هذا النوع من المياه يُعتبر ثروة مهدورة بسبب غياب كامل أو شبه كامل لما يُعرف بمحطات معالجة مياه الصرف الصحي التي أصبحت أساسية وضرورة حتمية في كثير من الدول» مشدداً على إمكانية استخدام المياه المعالجة، وإن كان بقيود، في الزراعة وفي ري المسطحات الخضراء، والحدائق، والغابات، وحتى في ترطيب الجو وغيرها من المجالات الحيوية.
تم انتاج هذه المادة الصحفية بدعم من صحفيون من أجل حقوق الإنسان JHR
Share this content: