أزرار نابليـــون
>> د. الصديق بودوارة المغربي
في غياب المسمار، الحدوة تفتت .. في غياب الحدوة، الحصان تفلت.
في غياب الحصان، الفارس تلفت./ في غياب الفارس، الحرب تلفت.
في غياب الحرب، المملكة تفلتت./ كل هذا حدث وصار، لغياب المسمار.
)) أنشودة انجليزية قديمة للأطفال )
لكي نفهم هذه الأبيات علينا أن نقرأ جيداً هذا المقال.
في عام 1812 بلغ عدد جيش نابليون الذى يقاتل في روسيا 600.000 مقاتل،
وبحلول أوائل ديسمبر تقلص العدد إلى أقل من 10.000 جندي، أنهكهم المناخ الروسي، وتلاعب بهم الصقيع.
معظمهم مات بسبب ملابسهم التي لم تصمد للبرد، والخلاصة أن جيش نابليون انسحب من روسيا والحال في منتهى السوء بالنسبة لطرفي الحرب
ففي 1812 وصلت نسبة الاقنان في روسيا إلى 90 % من الشعب الروسي ( الاقنان هم مزارعون مملوكون ملكية تامة لصاحب الأرض،
وهم يباعون ويشترون، ويستعمل معهم العنف في أغلب الأحيان)، أي أن العبودية شبه الصريحة قد انتشرت في روسيا ما بعد الحرب،
فيما أدت الثورة الفرنسية إلى زلزال اجتماعي واقتصادي لا مثيل له.
المهم، هذا ليس موضوعنا، ما أهتم به هنا هي زاوية مختلفة ومميزة تطرق إليها كتاب مشوق بعنوان:
«أزرار نابليون. كيف تغير التاريخ بفعل سبعة عشر جزيئاً»، هذا هو عنوان الكتاب، وهو لبني لوكوتور، وجاي بيرسون، والترجمة لسهيلة رمضان.
الكتاب يطرح زاوية غير مسبوقة ضمن إجابته على سؤال ملح: لماذا هُزم نابليون في روسيا؟ وينظر إلى الإجابة بعين تختلف وتفكير من خارج الصندوق.
ولكي نقترب أكثر من فكرة الكتاب دعوني أشرح لكم فكرة المؤلفين:
إن الذي أدى إلى تقويض الجيش الفرنسي واندحار نابليون هو سبب لا يمكن فهمه بدون قراءة الأبيات في أعلى هذه المقالة، إنه غياب المسمار،
وهو هنا يقول إن تفكك جيش نابليون يعود إلى تلك الأزرار اللامعة الكبيرة المصنوعة من القصدير التي كانت تزين معاطف جنود نابليون العسكرية التي تقيهم صقيع روسيا وجليدها القاتل
وهي أزرار مثبتة في معاطف الجنود الثقيلة وسراويلهم والسترات التي يلبسها جنود المشاة، فما هي مشكلة هذه الأزرار؟
هذه الأزرار مصنوعة من القصدير، والقصدير مع ظروف البرد القارص يتحول إلى مسحوق هش تذروه الرياح، وهذا ما حدث لجنود نابليون في ذلك الجحيم البارد.
لقد فقدوا أزرارهم في ظرف غير مناسب ففقدوا معها كل شيء. بعد أن انشغلت أيديهم بضم معاطفهم على أجسادهم المرتجفة بدلاً من حمل البنادق.
قد يكون هذا الاحتمال ضعيفاً ساذجاً، أو لا يكون، ولكن، تظل النظرية راسخة لا تقبل التشكيك، وهي أن للأحداث العظيمة أحياناً أسباب في منتهى البساطة.
وأن هزيمة جيش قد تبدأ بسقوط مسمار في حدوة حصان، كم أن فشل قائد بقيمة نابليون قد يكون سببه ذوبان زر في معطف جندي.
Share this content: