×

هوية ممزقة

هوية ممزقة

في‭ ‬ردهات‭ ‬مكتبي‭  ‬حيث‭ ‬تتزاحم‭ ‬الحكايات‭ ‬وتتعرى‭ ‬الحقائق،‭ ‬استقبلت‭ ‬سيدة‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬العمر‭ ‬يسبقها‭ ‬وقار‭ ‬ظاهري‭ ‬وتحجبه‭ ‬لغة‭ ‬جسد‭ ‬مضطربة‭. ‬كانت‭ ‬على‭ ‬عجلة‭ ‬من‭ ‬أمرها،‭ ‬وكأنها‭ ‬تسابق‭ ‬الزمن‭ ‬لإنقاذ‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬حطام‭ ‬حياتها،‭ ‬واصفة‭ ‬قضيتها‭ ‬بأنها‭ ‬مسألة‭ ‬حياة‭ ‬أو‭ ‬موت‭ .. ‬بدأت‭ ‬حديثها‭ ‬بمرارة‭ ‬عن‭ ‬زوجها‭ ‬الثاني‭ ‬واصفة‭ ‬إياه‭ “‬بالنرجسي‭” ‬الذي‭ ‬حول‭ ‬حياتها‭ ‬وحياة‭ ‬أطفالها‭ ‬إلى‭ ‬جحيم‭ ‬مستعر‭. ‬لكن‭ ‬ومع‭ ‬استرسالها‭ ‬في‭ ‬السرد‭ ‬بدأت‭ ‬خيوط‭ ‬القصة‭ ‬تتشابك‭ ‬لتكشف‭ ‬عن‭ ‬صورة‭ ‬مغايرة‭. ‬لقد‭ ‬اختارت‭ ‬الزواج‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬النضج‭ ‬وبعد‭ ‬تجربة‭ ‬مريرة‭ ‬مع‭ ‬زوج‭ ‬أول‭ ‬عانى‭ ‬من‭ ‬الإدمان‭ ‬والبطالة‭ ‬ورغم‭ ‬ذلك‭ ‬كانت‭ ‬تمجد‭ ‬خلقه‭ ‬معها‭!‬

برز‭ ‬السؤال‭ ‬الجوهري‭: ‬لماذا‭ ‬هو؟‭ ‬ولماذا‭ ‬الآن؟‭

اعترفت‭ ‬بأن‭ ‬الخيوط‭ ‬بدأت‭ ‬تنسج‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬زوجها‭ ‬الأول‭ ‬حين‭ ‬قصدته‭ ‬لطلب‭ ‬المساعدة‭ ‬كان‭ ‬المنقذ‭ ‬الذي‭ ‬تحول‭ ‬لاحقاً‭ ‬إلى‭ ‬سجان‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬فتحت‭ ‬له‭ ‬أبواب‭ ‬حياتها‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬أقنعته‭ ‬بالزواج‭ ‬حين‭ ‬تردد‭ ‬خوفا‭ ‬على‭ ‬علاقته‭ ‬بأبنائه‭ ‬من‭ ‬زوجته‭ ‬الأولى،‭ ‬متجاهلة‭ ‬كل‭ ‬علامات‭ ‬التحذير‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تراها‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬تعامله‭ ‬القاسي‭ ‬مع‭ ‬شريكته‭ ‬السابقة‭.. ‬بين‭ ‬دموعها‭ ‬وعنفوانها‭ ‬تجلى‭ ‬لي‭ ‬مشهد‭ ‬سريالي‭ ‬امرأة‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬نفسها‭ ‬ضحية‭ ‬لطباع‭ ‬رجل‭ ‬كانت‭ ‬تعرف‭ ‬سوءها‭ ‬مسبقاً‭ ‬بل‭ ‬وراهنت‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬ستكون‭ ‬الحلم‭ ‬الهادئ‭ ‬الذي‭ ‬سيغير‭ ‬طبيعته‭. ‬هنا‭ ‬سقط‭ ‬القناع‭ ‬وظهرت‭ ‬ملامح‭ ‬الاضطراب‭ ‬فهي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬عابرة‭ ‬سبيل‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬المحرك‭ ‬الذي‭ ‬دفع‭ ‬به‭ ‬نحو‭ ‬هذا‭ ‬الارتباط‭ ‬واضعة‭ ‬أبناءها‭ ‬في‭ ‬مهب‭ ‬ريح‭ ‬قرار‭ ‬غير‭ ‬مدروس‭.‬

إن‭ ‬أخطر‭ ‬أنواع‭ ‬الظلم‭ ‬هو‭ ‬ذلك‭ ‬الذي‭ ‬نمارسه‭ ‬بحق‭ ‬أنفسنا،‭ ‬حين‭ ‬نقتحم‭ ‬دوائر‭ ‬النار‭ ‬ونحن‭ ‬ندرك‭ ‬أنها‭ ‬ستحرقنا‭ ‬ثم‭ ‬نتساءل‭: ‬من‭ ‬أين‭ ‬أتى‭ ‬هذا‭ ‬الرماد؟

بالغوص‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬شخصيتها،‭ ‬تبين‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬السيدة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تواجه‭ ‬نرجسية‭ ‬الآخر‭ ‬فحسب‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬تواجه‭ ‬جراح‭ ‬طفولة‭ ‬غائرة‭ ‬وعنفاً‭ ‬أسرياً‭ ‬قديماً‭ ‬ولد‭ ‬لديها‭ ‬اضطرابا‭ ‬عميقا‭ ‬في‭ ‬الهوية‭. ‬هذا‭ ‬الاضطراب‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬دفعها‭ ‬لإفساد‭ ‬استقرار‭ ‬رجل‭ ‬آخر‭ ‬لتستحوذ‭ ‬عليه،‭ ‬لتنتهي‭ ‬اللعبة‭ ‬بكونه‭ ‬خصماً‭ ‬لها،‭ ‬وبكون‭ ‬أطفالها‭ ‬المراهقين‭ ‬هم‭ ‬الضحايا‭ ‬الحقيقيين‭ ‬الذين‭ ‬فقدوا‭ ‬الإحساس‭ ‬بالأمان‭ ‬في‭ ‬كنفها‭.‬

الحل‭ :‬

‭ ‬ضرورة‭ ‬التوجه‭ ‬الفوري‭ ‬لمستشار‭ ‬نفسي‭ ‬لتشخيص‭ ‬اضطراب‭ ‬الشخصية‭ ‬وعلاج‭ ‬جراح‭ ‬الماضي،‭ ‬فبدون‭ ‬إصلاح‭ ‬الداخل،‭ ‬سيظل‭ ‬الخارج‭ ‬مشوهاً‭.‬

‭ ‬عزل‭ ‬الأبناء‭ ‬تماماً‭ ‬عن‭ ‬دائرة‭ ‬الصراع‭ ‬والشر،‭ ‬وتوفير‭ ‬بيئة‭ ‬آمنة‭ ‬لهم‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬مشاحنات‭ ‬زوج‭ ‬الأم‭ ‬المحتقن‭.‬

‭ ‬العمل‭ ‬الجاد‭ ‬على‭ ‬إصلاح‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬الأبناء‭ ‬المراهقين‭ ‬فالأمان‭ ‬الذي‭ ‬فقد‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬الصدق‭ ‬ليعود‭.‬

‭ ‬الابتعاد‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الرجل‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬وجوده‭ ‬في‭ ‬حياتها‭ ‬مجرد‭ ‬وقود‭ ‬لصراعات‭ ‬نفسية‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭.‬

لقد‭ ‬جاءت‭ ‬طالبة‭ ‬للعدالة‭ ‬من‭ ‬زوجها،‭ ‬فاكتشفت‭ ‬أنها‭ ‬بحاجة‭ ‬للعدالة‭ ‬من‭ ‬نفسها‭. ‬إنها‭ ‬قصة‭ ‬امرأة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬ضحية‭ ‬للظروف‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬ضحية‭ ‬لخياراتها‭ ‬المضطربة‭.‬

                                                                                                                     

Share this content: